اتصل بنا
 

حبر على ورق!

وزير أردني سابق، باحث ومتخصص في الفكر الإسلامي والإصلاح السياسي والتحول الديمقراطي في العالم العربي. من كتبه "السلفيون والربيع العربي"و" الإصلاح السياسي في الفكر الإسلامي"و "الحل الإسلامي في الأردن" و"الإسلاميون والدين والثورة في سورية".

نيسان ـ نشر في 2026-09-23 الساعة 10:29

نيسان ـ لم يكن خطاب الملك عبدالله الثاني، أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، خطاباً دبلوماسياً تقليدياً، ولا مجرد إعادة تأكيد للموقف الأردني المعروف من القضية الفلسطينية؛ فقد حمل هذه المرة جرعة كبيرة من الوضوح والصراحة في تشخيص ما يحدث، وتحديد مصدر الخطر الذي يهدد المنطقة، ومساءلة المجتمع الدولي عن الفجوة الهائلة بين منظومة القيم والقوانين التي يدافع عنها نظرياً وبين ما يحدث فعلياً على الأرض.
ركز الملك خطابه بدرجة كبيرة على السياسات الإسرائيلية؛ من غزة إلى الضفة الغربية، وصولاً إلى سوريا. تجاوز في تعريفه ما يجري في غزة وصفه مجرد أزمة إنسانية طارئة، فقد وضعه ضمن مسار سياسي أوسع يقوم على حشر الفلسطينيين في مساحة أصغر فأصغر، ودفعهم نحو شروط حياة مستحيلة، بما يجعل التهجير القسري نتيجة لمسار متدرج وممنهج، لا مجرد سيناريو افتراضي منفصل عما يجري على الأرض.
تتضح الصورة أكثر في الضفة الغربية؛ فالاستيطان ومصادرة الأراضي وتغيير الوقائع الجغرافية والديمغرافية ليست إجراءات متناثرة أو أحداثاً يومية يمكن التعامل معها كلا على حدة، بل هي حلقات في مشروع واحد يتقدم بصورة متراكمة نحو تقويض إمكانية قيام الدولة الفلسطينية، وفرض وقائع جديدة تجعل الفلسطينيين محاصرين جغرافياً وسياسياً، وتدفع الأمور باتجاه واحد: التهجير.
أمّا الرسالة الأعمق في الخطاب فقد تمثلت في نقض الرواية التي حكمت جانباً كبيراً من المقاربة الغربية للصراع طوال العقود الماضية؛ إسرائيل بوصفها «الديمقراطية» المحاصرة، والفلسطيني بوصفه مصدر التهديد، وإسرائيل بوصفها الطرف الذي يبحث عن «شريك للسلام»، إذ قلب الملك المعادلة وطرح السؤال من الجهة المقابلة: ماذا لو كانت المشكلة اليوم في الطرف الذي يفترض أنه شريك السلام؟ وماذا يعني أن تمد الدول العربية يدها، منذ أكثر من عقدين، بينما تتآكل على الأرض بصورة متواصلة الأسس التي يفترض أن يقوم عليها السلام نفسه؟.
وصل الخطاب، في هذه النقطة، إلى جوهر الأزمة: الإفلات من العقاب، فإسرائيل تتصرف باعتبارها دولة فوق القانون، بينما تتحول القرارات الدولية، عندما تصل إليها، إلى حبر على ورق. فليست المشكلة في نقص القرارات والبيانات والإدانات، بل في غياب القدرة والإرادة على تنفيذها!.
برزت في الخطاب، كذلك، قضية مهمة تتمثل بما وصفه الملك بمشكلة الانتباه؛ أي قدرة العالم على التمييز بين الأزمة المركزية والأزمات الطارئة أو المتفرعة عنها، ففي منطقة مزدحمة بالحروب والتوترات، يسهل أن ينتقل الاهتمام الدولي من ملف إلى آخر، بينما تبقى القضية الفلسطينية إحدى العقد المركزية التي أنتجت التوتر وعدم الاستقرار طوال عقود، لذلك كانت رسالة الملك واضحة: لا ينبغي أن تؤدي الأزمات المتلاحقة إلى تشتيت الانتباه عن أصل المشكلة وجذورها.
امتد تعريف مصادر الخطر إلى سوريا أيضاً. فالسياسات الإسرائيلية هناك لا تمس دولة مجاورة فقط، بل تقترب مباشرة من حسابات الأمن القومي الأردني؛ أمن الحدود الشمالية، واستقرار الجنوب السوري، والأمن المائي، ومنع خلق وقائع جيوسياسية جديدة على حدود المملكة، لذلك لا يمكن قراءة الرسالة الأردنية باعتبارها موقفاً دبلوماسياً عاماً من سيادة سوريا، بل تحديداً واضحاً لمصالح وطنية حيوية سيدافع عنها الأردن ويحميها.
ما نأمله، حقاً، أن تلتقط النخب السياسية الأردنية مغزى خطاب الملك على هذا المنبر الدولي الأهم ودلالاته، في كيفية قراءة البيئة الاستراتيجية المحيطة بالمملكة وترتيب مصادر التهديد والأولويات الوطنية، فحين يحتل الملف الإسرائيلي المساحة الأكبر من خطاب رأس الدولة أمام قادة العالم ورؤسائه وممثلي الحكومة اليمينية الإسرائيلية يجلسون وتظهرهم الكاميرات وهم يستمعون إلى هذا الموقف الصلب، وحين تربط القراءة الأردنية بين غزة والضفة وسوريا والحدود والمياه والتهجير، فإننا لا نكون أمام ملفات منفصلة، بل أمام تصور متكامل للأمن القومي الأردني ومصادر الخطر المحيطة به.
تكمن أهمية الخطاب، في النهاية، في أنه لم يطلب من العالم مزيداً من الكلمات، بل وضع الكلمات نفسها موضع مساءلة: ما قيمة القانون إذا غابت المحاسبة؟ وما قيمة القرارات إذا لم تنفذ؟ وما معنى الحديث عن السلام إذا كان الطرف الذي يفترض أن يكون شريكاً فيه يعمل، على الأرض، على إزالة شروطه وإمكاناته؟.

نيسان ـ نشر في 2026-09-23 الساعة 10:29


رأي: د. محمد أبو رمان وزير أردني سابق، باحث ومتخصص في الفكر الإسلامي والإصلاح السياسي والتحول الديمقراطي في العالم العربي. من كتبه "السلفيون والربيع العربي"و" الإصلاح السياسي في الفكر الإسلامي"و "الحل الإسلامي في الأردن" و"الإسلاميون والدين والثورة في سورية".

الكلمات الأكثر بحثاً