من الغزو إلى الانسحاب… حصاد التدخل الأمريكي في العراق
إبراهيم نوار
كاتب مصري
نيسان ـ نشر في 2026-10-07 الساعة 12:41
نيسان ـ ليس فشلها العسكري والاستراتيجي الأول في الشرق الأوسط الكبير، وليس فشلها الثاني، ولا الثالث، وإنما هو فشلها الرابع على الأقل في المنطقة الممتدة من جبال أفغانستان شرقا إلى القرن الافريقي الكبير غربا. إنه الفشل الذي يجسده الانسحاب العسكري الأمريكي من العراق بعد 23 عاما من الاحتلال الثقيل لأرض الرافدين. وقبله كان الانسحاب من الصومال والانسحاب من أفغانستان والفشل المدوي في ليبيا.
في كل مرة تدخلت القوات الأمريكية تحت شعار القضاء على الإرهاب، وبناء الديمقراطية، وفي كل مرة تخرج وهي تجر أذيال الهزيمة، لأن حروبها المدمرة لم تحقق أهدافها المعلنة. في الصومال انسحبت وتركت وراءها دولة فاشلة مُقَطّعة الأوصال تتقاسمها حكومات ضعيفة وجماعات إرهابية ومجموعات من المرتزقة العملاء، في أفغانستان ذهبت القوات الأمريكية لإزاحة طالبان، وبعد 21 عاما انتهى الاحتلال إلى تسليم الحكم إلى حكومة طالبان! وفي ليبيا تركتها القوات الأمريكية، بعد تدخل مريب، وهي دولة فاشلة بعد تدميرها، وحولتها إلى أشلاء تتنازع السيطرة على ثرواتها جماعات وميليشيات عسكرية بلا هدف غير استمرار سيطرة المصالح الأنانية على حساب ليبيا وطنا وشعبا.
النظام الأمني الذي تريد واشنطن فرضه على الدول العربية، هو نظام يستهدف أولا وأخيرا ضمان أمن إسرائيل وتفوقها وتشجيعها على ممارسة المزيد من الأعمال العدوانية والمضي قدما في تهجير وإبادة الشعب الفلسطيني
وفي العراق فإنها تترك وراءها دولة تحتاج إلى عشرات السنين للنهوض والوصول إلى ما كانت تطمح إليه قبل الاحتلال. الولايات المتحدة بالقطع لم تجد الأسلحة النووية التي ادعت أنها كانت لدى صدام حسين، وكانت المبرر لغزو العراق. وكان الغزو كلمة السر لبناء واحدة من أكبر القواعد العسكرية الأمريكية خارج الولايات المتحدة، وأكبر سفارة أمريكية في العالم كان الهدف منها هو إدارة عملياتها الخارجية. ومع ذلك فإن الاحتلال فشل فشلا ذريعا في تحقيق أهداف استراتيجية الأمن القومي للولايات المتحدة وحماية مصالحها في الشرق الأوسط، باستثناء توفير الغطاء الدبلوماسي والدعم العسكري لإسرائيل. القوات الأمريكية فشلت كما نرى في تأمين تدفق النفط من الدول المنتجة إلى العالم، وهو مصلحة استراتيجية منصوص عليها في استراتيجية الأمن القومي. وفشلت في تأمين ممرات الملاحة البحرية، وهو أيضا مصلحة مثل السابقة. كما أنها فشلت في ضمان أمن حلفائها باستثناء إسرائيل. فشلت الولايات المتحدة فشلا بائنا في توفير الحماية والدعم للمملكة السعودية عندما تعرضت لهجمات على أكبر منشآتها النفطية في أبقيق عام 2019، ما أسفر عن جفوة شديدة بين حكومتي البلدين، إلى درجة أن وزير الدفاع الأمريكي وقتها كان ممنوعا تقريبا من زيارة السعودية، وما الإجراءات التي أقدمت عليها الإدارة الأمريكية في الأيام الأخيرة من الإعلان عن تزويد كل من قطر والسعودية ببطارية صواريخ باتريوت للدفاع الجوي لكل منهما (تخضع إدارتها واستخدامها لقرارات القيادة المركزية)، والإفراج عن مساعدات عسكرية لمصر، إلا محاولة منها لحفظ ماء الوجه أمام حلفائها العرب، بعد إتمام الانسحاب من العراق، ومحاولة تأكيد استمرار وجودها الإقليمي، لكن هذه الإجراءات الأخيرة لن تجدي شيئا، لأن دول الخليج التي كانت تعتقد في مصداقية ضمانات الدفاع والحماية الأمريكية، أدركت عن يقين أن ضمانات الدفاع تنبع من داخل المنطقة نفسها بإرادتها الحرة وليس من خارجها، وأن النظام الأمني الذي تريد واشنطن فرضه على الدول العربية، هو نظام يستهدف أولا وأخيرا ضمان أمن إسرائيل وتفوقها وتشجيعها على ممارسة المزيد من الأعمال العدوانية والمضي قدما في تهجير وإبادة الشعب الفلسطيني. وإضافة إلى فشلها في تحقيق أهداف استراتيجية الأمن القومي، فإننا نلاحظ أن الولايات المتحدة فشلت أيضا في إعادة بناء النموذج الذي كانت قد ابتكرته بعد الحرب العالمية الثانية، من حيث ربط التدخل العسكري بعملية إعادة البناء السياسي والاقتصادي، وهو النموذج الذي نجح في تحويل أوروبا الغربية التي دمرتها الحرب إلى قوة عالمية ناهضة من خلال خطة مارشال للتنمية وإعادة البناء، وهي الخطة التي ساعدت أوروبا على الوقوف في وجه المد السوفييتي بعد الحرب. وعلى العكس مما فعلته في إعادة بناء أوروبا، فإنها لم تفعل شيئا ممنهجا يمكن وصفه بأنه عملية إعادة بناء للدول التي احتلتها لمدة تزيد عن عقدين من الزمان، أفغانستان والعراق، ولا الدول التي دمرتها عسكريا، الصومال وليبيا. ويمكنني القول، وقد كنت شاهدا على ذلك أثناء عملي مسؤولا سياسيا لبعثة الأمم المتحدة في العراق (2003 – 2007)، إن القوات الأمريكية المحتلة لم تكن لديها استراتيجية واضحة لمرحلة ما بعد صدام، ما أوقعها في صراع دبلوماسي شرس مع بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق (يونامي – UNAMI) خلال الفترة التالية للاحتلال، وهو الصراع الذي راح ضحيته سيرجيو دي ميللو المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة في العراق، دي ميللو فقد حياته نتيجة قصف صاروخي تعرض له مكتبه، على الطريقة التي تستعملها إسرائيل في قتل قيادات المقاومة الفلسطينية، ومع أن تحقيقات الأمم المتحدة في واقعة اغتياله لم تسفر عن نتائج واضحة، فإنه ليس من المستبعد أن تكون الولايات المتحدة هي صاحبة اليد الطولى في اغتياله، بسبب صراعه الشرس مع الحاكم المدني الأمريكي للعراق بول بريمر. وكانت الفترة التالية مباشرة لإسقاط صدام، فترة عصيبة مليئة بالمشاحنات بين بريمر ودي ميللو، بسبب الخلافات على طريقة إدارة العراق.
وبينما كانت الأمم المتحدة تتبنى برنامجا للتحول الدستوري بقيادة العراقيين أنفسهم، اتجه بريمر إلى تعيين «مجلس حُكْم» يدين له بالولاء، ويدعي لنفسه حق الفيتو على قرارات المجلس، مع أنه هو الذي اختار أعضاءه. وكان أكثر ما يهم القيادة العسكرية والإدارة المدنية الأمريكية هو العمل على خلق مجموعات من الموالين العراقيين للسياسة الأمريكية، لا يعرقلون بقاء القوات الأمريكية تحت أي دواع أو مبررات، ما أدى إلى شيوع قدر كبير من الفساد داخل الإدارة العراقية برعاية الولايات المتحدة. ولا يزال العراق حتى اليوم يعاني من آثار وتداعيات الاحتلال العراقي (2003 – 2026)، ومنها شيوع الفساد الإداري، وربما تستمر هذه التداعيات لسنوات قادمة حتى يتم التخلص منها تماما.
خسائر الولايات المتحدة
لم يتوقف الفشل الأمريكي في العراق عند حدود العجز عن تحقيق الأهداف الاستراتيجية للتدخل العسكري، بل إنه تجاوز ذلك إلى تعريض الولايات المتحدة نفسها لخسائر بشرية وسياسية واقتصادية، ذات طابع استراتيجي. وقد بلغ عدد ضحايا الحرب في ما سمته «عملية حرية العراق» حوالي ضعف عدد الذين لقوا حتفهم في الحرب الموازية في أفغانستان (2000 – 2021). وبالنسبة للخسائر البشرية في حرب العراق وحدها، حسب معهد واتسون للشؤون الدولية والعامة في جامعة براون الأمريكية، فقد قُتل أكثر من 4500 جندي أمريكي، وتراوح عدد الضحايا المدنيين العراقيين بين 186 ألفا إلى 210 آلاف ضحية. كما أن الخسائر العسكرية استمرت حتى الأيام الأخيرة قبل إتمام الانسحاب من العراق، بسبب تعرض القوات الأمريكية لهجمات انتقامية من جانب إيران والجماعات المسلحة غير الحكومية، وكانت القاعدة العسكرية الأمريكية في إربيل والقاعدة الجوية الملحقة في مطار بغداد من الأهداف الدائمة للهجمات، وعلى صعيد الخسائر الاقتصادية تقدر جامعة براون التكلفة الإجمالية المباشرة للحروب والتدخلات العسكرية الأمريكية (بعد 11 سبتمبر) في أفغانستان والعراق وليبيا والصومال بأكثر من 8 تريليونات دولار، ما يعادل 38% من الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة عام 2020. وتعتبر حرب أفغانستان هي الأكثر تكلفة بقيمة 2.3 تريليون دولار، تليها حرب العراق بما يتجاوز 2.1 تريليون دولار. أما التدخل العسكري في ليبيا عام 2011 فقد بلغت تكلفته حوالي 1.1 مليار دولار. وبلغت تكلفة التدخل العسكري في الصومال (فترة ما بعد 11 سبتمبر) حوالي 2.5 مليار دولار على الأقل، إضافة إلى ذلك تقدر التكلفة المباشرة للعمليات العسكرية في مناطق أخرى مثل سوريا واليمن والساحل الافريقي بعشرات المليارات من الدولارات، وتقدر التكلفة غير المباشرة لتلك الحروب بما يتراوح بين 2.2 إلى 2.5 تريليون دولار، تتضمن تغطية احتياجات برامج الرعاية الطبية والتأمين ضد العجز للعسكريين الذين شاركوا في تلك الحروب. ومن المفارقات المثيرة للعجب أن الانسحاب الأمريكي من العراق جاء وسط أجواء التصعيد العسكري ضد إيران في مضيق هرمز، ما يعكس استمرار تخبط الاستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط بين الضغوط التي تقود إلى الانسحاب ومصالح اللوبي الصهيوني ولوبي شركات السلاح التي تدعو لزيادة الحشود العسكرية. هذا التخبط الذي يعكس نفسه بوضوح في زيادة ميزانية وزارة الحرب الأمريكية بنحو 50% ما سوف يكلف القوة الأمريكية مزيدا من النزيف الذي يزيد سرعة الوهن والعجز.
كاتب مصري
في كل مرة تدخلت القوات الأمريكية تحت شعار القضاء على الإرهاب، وبناء الديمقراطية، وفي كل مرة تخرج وهي تجر أذيال الهزيمة، لأن حروبها المدمرة لم تحقق أهدافها المعلنة. في الصومال انسحبت وتركت وراءها دولة فاشلة مُقَطّعة الأوصال تتقاسمها حكومات ضعيفة وجماعات إرهابية ومجموعات من المرتزقة العملاء، في أفغانستان ذهبت القوات الأمريكية لإزاحة طالبان، وبعد 21 عاما انتهى الاحتلال إلى تسليم الحكم إلى حكومة طالبان! وفي ليبيا تركتها القوات الأمريكية، بعد تدخل مريب، وهي دولة فاشلة بعد تدميرها، وحولتها إلى أشلاء تتنازع السيطرة على ثرواتها جماعات وميليشيات عسكرية بلا هدف غير استمرار سيطرة المصالح الأنانية على حساب ليبيا وطنا وشعبا.
النظام الأمني الذي تريد واشنطن فرضه على الدول العربية، هو نظام يستهدف أولا وأخيرا ضمان أمن إسرائيل وتفوقها وتشجيعها على ممارسة المزيد من الأعمال العدوانية والمضي قدما في تهجير وإبادة الشعب الفلسطيني
وفي العراق فإنها تترك وراءها دولة تحتاج إلى عشرات السنين للنهوض والوصول إلى ما كانت تطمح إليه قبل الاحتلال. الولايات المتحدة بالقطع لم تجد الأسلحة النووية التي ادعت أنها كانت لدى صدام حسين، وكانت المبرر لغزو العراق. وكان الغزو كلمة السر لبناء واحدة من أكبر القواعد العسكرية الأمريكية خارج الولايات المتحدة، وأكبر سفارة أمريكية في العالم كان الهدف منها هو إدارة عملياتها الخارجية. ومع ذلك فإن الاحتلال فشل فشلا ذريعا في تحقيق أهداف استراتيجية الأمن القومي للولايات المتحدة وحماية مصالحها في الشرق الأوسط، باستثناء توفير الغطاء الدبلوماسي والدعم العسكري لإسرائيل. القوات الأمريكية فشلت كما نرى في تأمين تدفق النفط من الدول المنتجة إلى العالم، وهو مصلحة استراتيجية منصوص عليها في استراتيجية الأمن القومي. وفشلت في تأمين ممرات الملاحة البحرية، وهو أيضا مصلحة مثل السابقة. كما أنها فشلت في ضمان أمن حلفائها باستثناء إسرائيل. فشلت الولايات المتحدة فشلا بائنا في توفير الحماية والدعم للمملكة السعودية عندما تعرضت لهجمات على أكبر منشآتها النفطية في أبقيق عام 2019، ما أسفر عن جفوة شديدة بين حكومتي البلدين، إلى درجة أن وزير الدفاع الأمريكي وقتها كان ممنوعا تقريبا من زيارة السعودية، وما الإجراءات التي أقدمت عليها الإدارة الأمريكية في الأيام الأخيرة من الإعلان عن تزويد كل من قطر والسعودية ببطارية صواريخ باتريوت للدفاع الجوي لكل منهما (تخضع إدارتها واستخدامها لقرارات القيادة المركزية)، والإفراج عن مساعدات عسكرية لمصر، إلا محاولة منها لحفظ ماء الوجه أمام حلفائها العرب، بعد إتمام الانسحاب من العراق، ومحاولة تأكيد استمرار وجودها الإقليمي، لكن هذه الإجراءات الأخيرة لن تجدي شيئا، لأن دول الخليج التي كانت تعتقد في مصداقية ضمانات الدفاع والحماية الأمريكية، أدركت عن يقين أن ضمانات الدفاع تنبع من داخل المنطقة نفسها بإرادتها الحرة وليس من خارجها، وأن النظام الأمني الذي تريد واشنطن فرضه على الدول العربية، هو نظام يستهدف أولا وأخيرا ضمان أمن إسرائيل وتفوقها وتشجيعها على ممارسة المزيد من الأعمال العدوانية والمضي قدما في تهجير وإبادة الشعب الفلسطيني. وإضافة إلى فشلها في تحقيق أهداف استراتيجية الأمن القومي، فإننا نلاحظ أن الولايات المتحدة فشلت أيضا في إعادة بناء النموذج الذي كانت قد ابتكرته بعد الحرب العالمية الثانية، من حيث ربط التدخل العسكري بعملية إعادة البناء السياسي والاقتصادي، وهو النموذج الذي نجح في تحويل أوروبا الغربية التي دمرتها الحرب إلى قوة عالمية ناهضة من خلال خطة مارشال للتنمية وإعادة البناء، وهي الخطة التي ساعدت أوروبا على الوقوف في وجه المد السوفييتي بعد الحرب. وعلى العكس مما فعلته في إعادة بناء أوروبا، فإنها لم تفعل شيئا ممنهجا يمكن وصفه بأنه عملية إعادة بناء للدول التي احتلتها لمدة تزيد عن عقدين من الزمان، أفغانستان والعراق، ولا الدول التي دمرتها عسكريا، الصومال وليبيا. ويمكنني القول، وقد كنت شاهدا على ذلك أثناء عملي مسؤولا سياسيا لبعثة الأمم المتحدة في العراق (2003 – 2007)، إن القوات الأمريكية المحتلة لم تكن لديها استراتيجية واضحة لمرحلة ما بعد صدام، ما أوقعها في صراع دبلوماسي شرس مع بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق (يونامي – UNAMI) خلال الفترة التالية للاحتلال، وهو الصراع الذي راح ضحيته سيرجيو دي ميللو المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة في العراق، دي ميللو فقد حياته نتيجة قصف صاروخي تعرض له مكتبه، على الطريقة التي تستعملها إسرائيل في قتل قيادات المقاومة الفلسطينية، ومع أن تحقيقات الأمم المتحدة في واقعة اغتياله لم تسفر عن نتائج واضحة، فإنه ليس من المستبعد أن تكون الولايات المتحدة هي صاحبة اليد الطولى في اغتياله، بسبب صراعه الشرس مع الحاكم المدني الأمريكي للعراق بول بريمر. وكانت الفترة التالية مباشرة لإسقاط صدام، فترة عصيبة مليئة بالمشاحنات بين بريمر ودي ميللو، بسبب الخلافات على طريقة إدارة العراق.
وبينما كانت الأمم المتحدة تتبنى برنامجا للتحول الدستوري بقيادة العراقيين أنفسهم، اتجه بريمر إلى تعيين «مجلس حُكْم» يدين له بالولاء، ويدعي لنفسه حق الفيتو على قرارات المجلس، مع أنه هو الذي اختار أعضاءه. وكان أكثر ما يهم القيادة العسكرية والإدارة المدنية الأمريكية هو العمل على خلق مجموعات من الموالين العراقيين للسياسة الأمريكية، لا يعرقلون بقاء القوات الأمريكية تحت أي دواع أو مبررات، ما أدى إلى شيوع قدر كبير من الفساد داخل الإدارة العراقية برعاية الولايات المتحدة. ولا يزال العراق حتى اليوم يعاني من آثار وتداعيات الاحتلال العراقي (2003 – 2026)، ومنها شيوع الفساد الإداري، وربما تستمر هذه التداعيات لسنوات قادمة حتى يتم التخلص منها تماما.
خسائر الولايات المتحدة
لم يتوقف الفشل الأمريكي في العراق عند حدود العجز عن تحقيق الأهداف الاستراتيجية للتدخل العسكري، بل إنه تجاوز ذلك إلى تعريض الولايات المتحدة نفسها لخسائر بشرية وسياسية واقتصادية، ذات طابع استراتيجي. وقد بلغ عدد ضحايا الحرب في ما سمته «عملية حرية العراق» حوالي ضعف عدد الذين لقوا حتفهم في الحرب الموازية في أفغانستان (2000 – 2021). وبالنسبة للخسائر البشرية في حرب العراق وحدها، حسب معهد واتسون للشؤون الدولية والعامة في جامعة براون الأمريكية، فقد قُتل أكثر من 4500 جندي أمريكي، وتراوح عدد الضحايا المدنيين العراقيين بين 186 ألفا إلى 210 آلاف ضحية. كما أن الخسائر العسكرية استمرت حتى الأيام الأخيرة قبل إتمام الانسحاب من العراق، بسبب تعرض القوات الأمريكية لهجمات انتقامية من جانب إيران والجماعات المسلحة غير الحكومية، وكانت القاعدة العسكرية الأمريكية في إربيل والقاعدة الجوية الملحقة في مطار بغداد من الأهداف الدائمة للهجمات، وعلى صعيد الخسائر الاقتصادية تقدر جامعة براون التكلفة الإجمالية المباشرة للحروب والتدخلات العسكرية الأمريكية (بعد 11 سبتمبر) في أفغانستان والعراق وليبيا والصومال بأكثر من 8 تريليونات دولار، ما يعادل 38% من الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة عام 2020. وتعتبر حرب أفغانستان هي الأكثر تكلفة بقيمة 2.3 تريليون دولار، تليها حرب العراق بما يتجاوز 2.1 تريليون دولار. أما التدخل العسكري في ليبيا عام 2011 فقد بلغت تكلفته حوالي 1.1 مليار دولار. وبلغت تكلفة التدخل العسكري في الصومال (فترة ما بعد 11 سبتمبر) حوالي 2.5 مليار دولار على الأقل، إضافة إلى ذلك تقدر التكلفة المباشرة للعمليات العسكرية في مناطق أخرى مثل سوريا واليمن والساحل الافريقي بعشرات المليارات من الدولارات، وتقدر التكلفة غير المباشرة لتلك الحروب بما يتراوح بين 2.2 إلى 2.5 تريليون دولار، تتضمن تغطية احتياجات برامج الرعاية الطبية والتأمين ضد العجز للعسكريين الذين شاركوا في تلك الحروب. ومن المفارقات المثيرة للعجب أن الانسحاب الأمريكي من العراق جاء وسط أجواء التصعيد العسكري ضد إيران في مضيق هرمز، ما يعكس استمرار تخبط الاستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط بين الضغوط التي تقود إلى الانسحاب ومصالح اللوبي الصهيوني ولوبي شركات السلاح التي تدعو لزيادة الحشود العسكرية. هذا التخبط الذي يعكس نفسه بوضوح في زيادة ميزانية وزارة الحرب الأمريكية بنحو 50% ما سوف يكلف القوة الأمريكية مزيدا من النزيف الذي يزيد سرعة الوهن والعجز.
كاتب مصري
نيسان ـ نشر في 2026-10-07 الساعة 12:41
رأي: إبراهيم نوار كاتب مصري


