اتصل بنا
 

جعفر حسان.. و 'لعنة الحكومات'

وزير أردني سابق، باحث ومتخصص في الفكر الإسلامي والإصلاح السياسي والتحول الديمقراطي في العالم العربي. من كتبه "السلفيون والربيع العربي"و" الإصلاح السياسي في الفكر الإسلامي"و "الحل الإسلامي في الأردن" و"الإسلاميون والدين والثورة في سورية".

نيسان ـ نشر في 2026-10-12 الساعة 11:49

نيسان ـ شكّلت أزمة الثقة بين المواطنين والحكومات الأردنية، خلال العقود الماضية، واحدة من أكثر المعضلات السياسية استعصاءً. لم تكن المشكلة مرتبطة بحكومة بعينها، بل تحولت إلى ما يشبه «اللعنة» التي تلاحق الحكومات؛ تبدأ برصيد من التوقعات والآمال، ثم لا تلبث أن تتآكل شعبيتها، حتى أصبح السؤال المعتاد ليس ما إذا كانت الحكومة ستفقد ثقة الناس، بل متى سيحدث ذلك؟!
تبدو نتائج استطلاع مركز الدراسات الاستراتيجية في الجامعة الأردنية، بمناسبة مرور عامين على تشكيل حكومة جعفر حسان، مختلفة نسبياً عن هذا المسار التاريخي؛ فالحكومة تحظى بثقة 67 % من المواطنين، وإن كانت الثقة الكبيرة لا تتجاوز 24 %، مقابل 43 % يثقون بها بدرجة متوسطة. كذلك ارتفع تقييم قدرة الحكومة على تحمل مسؤولياتها من 54 % عند تشكيلها إلى 64 % بعد عامين، بينما حصل رئيس الوزراء نفسه على 66 %، مقابل 59 % للفريق الوزاري.
بالضرورة لا تعني هذه الأرقام أن أزمة الثقة التاريخية انتهت، بل إن حسان نجح في تحقيق اختراق نسبي مهم في جدارها، وحافظ على رصيد من القبول الشعبي لم تستطع حكومات عديدة الاحتفاظ به؛ فكيف فعل ذلك؟ وما هي الوصفة التي تمسّك بها خلال هذه الفترة؟
أظن أن الوصفة التي استخدمها حسان تقوم على ثلاثة عناصر؛ أولها تقديم نموذج لرئيس الوزراء التنفيذي، الذي ينزل إلى الميدان ويتابع التفاصيل ويقترب من مشكلات الناس، بدلاً من الاكتفاء بالخطابات والتصريحات. وليس مصادفة أن 79 % من المواطنين يؤيدون زياراته الميدانية، وأن 73.4 % من مؤيديها يبررون موقفهم بأهمية اطلاع الرئيس على أحوال الناس عن قرب.
العنصر الثاني هو التركيز على الخدمات والنجاحات الإدارية القابلة للقياس، بدلاً من الوعود السياسية الكبرى. فهناك تأييد واسع لمبادرات الحكومة في الصحة والتعليم والنقل، ووصل تأييد التأمين لعلاج السرطان للفئات المشمولة إلى 91 %، فيما أفاد 89 % من مستخدمي الخدمات الرقمية بأنها وفرت عليهم مراجعة الدوائر الحكومية. يبدو أن المواطن أكثر استعداداً لمنح ثقته لحكومة يشعر بأنها تحاول تحسين حياته اليومية، حتى لو لم تنجح في معالجة مشكلاته الاقتصادية الكبرى.
أما العنصر الثالث، فهو الظروف الإقليمية الاستثنائية؛ فمن الصعب فصل تقييم المواطنين للحكومة عن الحروب والفوضى المحيطة بالأردن، والتهديدات المتصاعدة في الضفة الغربية، والمخاوف على الأمن الوطني. عندما يشعر المواطن بأن المنطقة تقف على حافة انفجارات متتالية، تصبح المحافظة على الاستقرار قيمة سياسية كبرى. ومن اللافت أن 48.2 % ممن يرون أن الأمور تسير في الاتجاه الصحيح يعزون ذلك إلى الأمن والاستقرار، مقابل 20.4 % يتحدثون عن التطور والإصلاح. وبالطبع، لا يمكن احتساب الاستقرار إنجازاً حكومياً خالصاً.
مع ذلك، تكشف الأرقام حدود هذا النجاح؛ فما يزال 44 % من الأردنيين يرون أن أوضاعهم الاقتصادية أسوأ مما كانت عليه قبل عام، مقابل 12 % فقط يشعرون بتحسنها، فيما يضع 49.1 % البطالة وفرص العمل والدخل في مقدمة المشكلات التي تتطلب معالجة فورية، بمعنى آخر، نجحت الحكومة في تحسين صورتها وبعض جوانب الأداء الخدمي، لكنها لم تحقق بعد التحول الاقتصادي الذي يشعر به المواطن في حياته اليومية.
ذلك يقودنا إلى السؤال الأكثر أهمية سياسياً: هل يمثل نموذج حسان التكنوقراطي النموذج الأفضل للحكومات الأردنية، في وقت يفترض أن البلاد تسير فيه نحو حكومات حزبية برامجية، وفق رؤية التحديث السياسي التي طرحها الملك؟
قد توحي النتائج بأن المواطنين يمنحون الأولوية للكفاءة الإدارية والإنجاز العملي على حساب الخطاب السياسي والحزبي، إلاّ أنّ الاستنتاج بأن الأردنيين يفضلون التكنوقراط على الحكومات الحزبية سيكون متسرعاً؛ فالاستطلاع لم يسألهم عن هذه المفاضلة مباشرة، كما أن تراجع حضور القضايا السياسية في الأولويات لا يعني تراجع الحاجة إلى التمثيل والمساءلة.
المفارقة أن نجاح حسان يقدم درساً للأحزاب نفسها؛ فالمواطن لا يريد حكومة حزبية لمجرد أنها حزبية، ولا حكومة تكنوقراط لمجرد أنها تضم خبراء، بل حكومة لديها برنامج واضح وكفاءات قادرة على تنفيذه، ويمكن مساءلتها عن النتائج.
ربما نجح جعفر حسان في تخفيف وطأة «لعنة الحكومات»، لكنه لم يكسرها نهائياً؛ فالثقة المرتبطة بشخص رئيس الوزراء تبقى عرضة للتراجع مع تغير الأشخاص والظروف. أما الاختبار الحقيقي للتحديث السياسي فيتمثل في الانتقال من نجاح رئيس وزراء تكنوقراطي إلى نجاح حكومة برامجية ذات قاعدة سياسية، تجمع الكفاءة بالتمثيل والمساءلة، وتحول الثقة من رصيد شخصي مؤقت إلى علاقة مؤسسية مستدامة.

نيسان ـ نشر في 2026-10-12 الساعة 11:49


رأي: د. محمد أبو رمان وزير أردني سابق، باحث ومتخصص في الفكر الإسلامي والإصلاح السياسي والتحول الديمقراطي في العالم العربي. من كتبه "السلفيون والربيع العربي"و" الإصلاح السياسي في الفكر الإسلامي"و "الحل الإسلامي في الأردن" و"الإسلاميون والدين والثورة في سورية".

الكلمات الأكثر بحثاً