هايدي ليفين.. حين تنقلب الرواية!
د. محمد أبو رمان
وزير أردني سابق، باحث ومتخصص في الفكر الإسلامي والإصلاح السياسي والتحول الديمقراطي في العالم العربي. من كتبه "السلفيون والربيع العربي"و" الإصلاح السياسي في الفكر الإسلامي"و "الحل الإسلامي في الأردن" و"الإسلاميون والدين والثورة في سورية".
نيسان ـ نشر في 2026-10-19
نيسان ـ تكشف شهادة الصحافية الأميركية هايدي ليفين جانباً من المأزق الذي تواجهه إسرائيل اليوم، حين تصبح الوقائع التي تنتجها سياساتها أقوى من الرواية التي بنتها لتبرير تلك السياسات، فقد اعتدى مستوطنون ملثمون على مصوّرة «واشنطن بوست» أثناء تغطيتها قطف الزيتون في أبو فلاح قرب رام الله، يوم 16 أكتوبر، وركلوها وسرقوا معداتها رغم ارتدائها سترة الصحافة، فأُصيبت بكسور وجروح، قبل أن يسارع فلسطينيون لإنقاذها، بينما تحدث شهود عن امتناع الجنود الإسرائيليين عن وقف العنف.
تكتسب هذه الواقعة معناها الأعمق حين نضعها إلى جانب فتوى الحاخام دوف ليئور، أحد أبرز المرجعيات الدينية للتيار الاستيطاني، التي أباحت للمستوطنين أخذ الزيتون من بساتين الفلسطينيين، بادعاء أن الأرض ملك لليهود وأن الاستيلاء على ثمارها يحقق «وصية احتلال الأرض»، بما يحوّل سرقة المحصول إلى فضيلة دينية، وصاحب الأرض إلى معتدٍ على ملكية غيره، وهنا تكمن دلالة الفتوى، رغم رفض حاخامات آخرين لها، في التعبير عن منطق تيارات باتت شريكة في الحكم وصاحبة نفوذ في تقرير مصير الفلسطينيين.
في ضوء هذا التبرير للعنف يمكن قراءة وصف ليفين المعتدين بأنهم «وحوش بشرية»، واستدعاء عبارة وزير الدفاع الإسرائيلي آنذاك يوآف غالانت عن «حيوانات بشرية» عند إعلان حصار غزة في أكتوبر 2023، إذ تنكشف الآلية التي تنزع الإنسانية عن الفلسطيني لتسهيل إخضاعه، ثم تجرّمه حين يدافع عن أرضه، بينما يظهر الفلسطيني في شهادة الصحافية الأميركية منقذاً لها، فتنهار أمام المشاهد تلك القسمة المريحة بين إسرائيلي يدافع عن نفسه وفلسطيني يمثّل الخطر الدائم.
لهذا تتجاوز دلالة الاعتداء حدود الجريمة نفسها إلى انكشاف منظومة تبرير، يتداخل فيها الخطاب الديني مع القوة العسكرية والحماية السياسية، مما يجعل اختزال القضية في فتيان منفلتين وسيلة لحجب السياق الذي أنتجهم، ولعل محاولة مكتب نتنياهو التشكيك في ملابسات الاعتداء، في بيان بالإنجليزية يشدد على رفض تشويه صورة المستوطنين، تكشف إدراكاً لحجم الضرر الخارجي، فالشاهدة تنتمي هذه المرة إلى المجتمع الأميركي الذي مثّل طويلاً أهم حواضن الرواية الإسرائيلية.
تلتقي شهادة ليفين بذلك مع تحول أوسع داخل هذه الحواضن، ظهر في استطلاع غالوب هذا العام بتعاطف 41 % مع الفلسطينيين مقابل 36 % مع الإسرائيليين، بعدما كان التفوق الإسرائيلي واضحاً، وإن بقي الفارق الجديد ضمن هامش الخطأ، كما يظهر في وصول زهران ممداني إلى بلدية نيويورك وفوز عبدول السيد بترشيح الديمقراطيين لمجلس الشيوخ في ميشيغان، بما يكشف اتساع المجال أمام خطاب مؤيد لحقوق الفلسطينيين، من دون اختزال هذين النجاحين الانتخابيين في الموقف من فلسطين وحده.
يمتد هذا الاتساع إلى أوروبا، من قرار حزب الخضر في إنجلترا وويلز اعتبار الصهيونية عنصرية، إلى إجراءات إسبانيا ضد تجارة السلاح ومنتجات المستوطنات، وتوجه حكومة آندي برنهام البريطانية لتشديد الإجراءات ضد الاستيطان، لكن إدانة برنهام نفسه قرار الخضر تذكّرنا بأن التحول يجري داخل صراع سياسي مفتوح، وليس انتقالاً غربياً متجانساً إلى صف الفلسطينيين، ومن هنا يصبح السؤال الحقيقي عن قدرتنا على تحويل هذا الانكشاف الأخلاقي إلى مكاسب سياسية تستمر بعد انحسار الغضب.
تقتضي الإجابة الانتباه أولاً إلى أن إسرائيل وشبكات دعمها تمتلك مؤسسات وموارد وخبرة في استعادة المبادرة، وقد تعيد حصر النقاش في تجاوزات المستوطنين أو أخطاء نتنياهو، فتُرمّم الصورة وتبقى بنية الاحتلال خارج المساءلة، بينما يظل جانب من التضامن موزعاً بين حملات منفصلة، ما يجعل وصلها بعمل مستدام داخل الجامعات والنقابات والأحزاب ضرورة، كي تتحول الشهادة والصورة إلى معرفة عامة وضغط انتخابي ومحاسبة، عوض أن تبقيا مادة للتعاطف المؤقت.
يزداد هذا التحدي خطورة مع موجة مضادة تتمثل في صعود اليمين المتشدد، وتقارب إسرائيل مع «فوكس» الإسباني وحزب الحرية النمساوي، وتحالفها مع الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي الذي أطلق مع نتنياهو «اتفاقيات إسحاق»، فهذه العلاقات تتيح تعويض خسارة قطاعات من الرأي العام بحلفاء قادرين على الحكم، وقد تسحب من الفلسطينيين أصدقاء وصلوا إلى السلطة، لذلك فإن البناء على لحظة هايدي ليفين يحتاج استراتيجية عربية وفلسطينية تربط الحضور الثقافي بالعمل السياسي وتحمي التحالفات من تقلب الانتخابات، حتى لا نحتفل بانهيار الرواية ثم نترك لإسرائيل فرصة إعادة بنائها.
تكتسب هذه الواقعة معناها الأعمق حين نضعها إلى جانب فتوى الحاخام دوف ليئور، أحد أبرز المرجعيات الدينية للتيار الاستيطاني، التي أباحت للمستوطنين أخذ الزيتون من بساتين الفلسطينيين، بادعاء أن الأرض ملك لليهود وأن الاستيلاء على ثمارها يحقق «وصية احتلال الأرض»، بما يحوّل سرقة المحصول إلى فضيلة دينية، وصاحب الأرض إلى معتدٍ على ملكية غيره، وهنا تكمن دلالة الفتوى، رغم رفض حاخامات آخرين لها، في التعبير عن منطق تيارات باتت شريكة في الحكم وصاحبة نفوذ في تقرير مصير الفلسطينيين.
في ضوء هذا التبرير للعنف يمكن قراءة وصف ليفين المعتدين بأنهم «وحوش بشرية»، واستدعاء عبارة وزير الدفاع الإسرائيلي آنذاك يوآف غالانت عن «حيوانات بشرية» عند إعلان حصار غزة في أكتوبر 2023، إذ تنكشف الآلية التي تنزع الإنسانية عن الفلسطيني لتسهيل إخضاعه، ثم تجرّمه حين يدافع عن أرضه، بينما يظهر الفلسطيني في شهادة الصحافية الأميركية منقذاً لها، فتنهار أمام المشاهد تلك القسمة المريحة بين إسرائيلي يدافع عن نفسه وفلسطيني يمثّل الخطر الدائم.
لهذا تتجاوز دلالة الاعتداء حدود الجريمة نفسها إلى انكشاف منظومة تبرير، يتداخل فيها الخطاب الديني مع القوة العسكرية والحماية السياسية، مما يجعل اختزال القضية في فتيان منفلتين وسيلة لحجب السياق الذي أنتجهم، ولعل محاولة مكتب نتنياهو التشكيك في ملابسات الاعتداء، في بيان بالإنجليزية يشدد على رفض تشويه صورة المستوطنين، تكشف إدراكاً لحجم الضرر الخارجي، فالشاهدة تنتمي هذه المرة إلى المجتمع الأميركي الذي مثّل طويلاً أهم حواضن الرواية الإسرائيلية.
تلتقي شهادة ليفين بذلك مع تحول أوسع داخل هذه الحواضن، ظهر في استطلاع غالوب هذا العام بتعاطف 41 % مع الفلسطينيين مقابل 36 % مع الإسرائيليين، بعدما كان التفوق الإسرائيلي واضحاً، وإن بقي الفارق الجديد ضمن هامش الخطأ، كما يظهر في وصول زهران ممداني إلى بلدية نيويورك وفوز عبدول السيد بترشيح الديمقراطيين لمجلس الشيوخ في ميشيغان، بما يكشف اتساع المجال أمام خطاب مؤيد لحقوق الفلسطينيين، من دون اختزال هذين النجاحين الانتخابيين في الموقف من فلسطين وحده.
يمتد هذا الاتساع إلى أوروبا، من قرار حزب الخضر في إنجلترا وويلز اعتبار الصهيونية عنصرية، إلى إجراءات إسبانيا ضد تجارة السلاح ومنتجات المستوطنات، وتوجه حكومة آندي برنهام البريطانية لتشديد الإجراءات ضد الاستيطان، لكن إدانة برنهام نفسه قرار الخضر تذكّرنا بأن التحول يجري داخل صراع سياسي مفتوح، وليس انتقالاً غربياً متجانساً إلى صف الفلسطينيين، ومن هنا يصبح السؤال الحقيقي عن قدرتنا على تحويل هذا الانكشاف الأخلاقي إلى مكاسب سياسية تستمر بعد انحسار الغضب.
تقتضي الإجابة الانتباه أولاً إلى أن إسرائيل وشبكات دعمها تمتلك مؤسسات وموارد وخبرة في استعادة المبادرة، وقد تعيد حصر النقاش في تجاوزات المستوطنين أو أخطاء نتنياهو، فتُرمّم الصورة وتبقى بنية الاحتلال خارج المساءلة، بينما يظل جانب من التضامن موزعاً بين حملات منفصلة، ما يجعل وصلها بعمل مستدام داخل الجامعات والنقابات والأحزاب ضرورة، كي تتحول الشهادة والصورة إلى معرفة عامة وضغط انتخابي ومحاسبة، عوض أن تبقيا مادة للتعاطف المؤقت.
يزداد هذا التحدي خطورة مع موجة مضادة تتمثل في صعود اليمين المتشدد، وتقارب إسرائيل مع «فوكس» الإسباني وحزب الحرية النمساوي، وتحالفها مع الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي الذي أطلق مع نتنياهو «اتفاقيات إسحاق»، فهذه العلاقات تتيح تعويض خسارة قطاعات من الرأي العام بحلفاء قادرين على الحكم، وقد تسحب من الفلسطينيين أصدقاء وصلوا إلى السلطة، لذلك فإن البناء على لحظة هايدي ليفين يحتاج استراتيجية عربية وفلسطينية تربط الحضور الثقافي بالعمل السياسي وتحمي التحالفات من تقلب الانتخابات، حتى لا نحتفل بانهيار الرواية ثم نترك لإسرائيل فرصة إعادة بنائها.
نيسان ـ نشر في 2026-10-19
رأي: د. محمد أبو رمان وزير أردني سابق، باحث ومتخصص في الفكر الإسلامي والإصلاح السياسي والتحول الديمقراطي في العالم العربي. من كتبه "السلفيون والربيع العربي"و" الإصلاح السياسي في الفكر الإسلامي"و "الحل الإسلامي في الأردن" و"الإسلاميون والدين والثورة في سورية".


