اتصل بنا
 

هل تضل فلسطين القضية المركزية العربية؟ وهل تحررها هو تحرر العالم العربي؟

كاتبة وصحافية مقيمة في لندن

نيسان ـ نشر في 2017-12-28 الساعة 18:38

نيسان ـ

لطالما كانت القضية الفلسطينية هي القضية العربية المركزية في حياة كلٍ من المواطن والشعب. ورغم أن كثيرًا من الدول العربية تغنت بفلسطين وأشاعت حلم تحرير فلسطين، البعيد، والذي يكاد يكون مستحيلاً، إلا أنه ليس بمستحيل. ولكن وللأسف، فقد اتخذت الديكتاتوريات العربية فلسطين ذريعةً لقمع الشعوب العربية وفصلها عن أحلامها الحقيقية وجعل جل ما تبغى وتصارع من أجله هو البقاء والسعي وراء لقمة العيش. وترك المواطن جائعًا، ممزقًا، غير قادر على جمع قوت يومه. يشعر بالإحباط والهزيمة بشكلٍ يوميٍ، فما بالك بما يشعر به المواطن تجاه القضايا المصيرية الكبرى، التي يخشى أن يبدي رأيه فيها. وهل ننسى مناضلي الحرية من سجناء الحرية، الذين منعوا ممن ممارسة قناعاتهم بل والتعبير عن مواقفهم السياسية، وكأن فيها تهديدًا لأنظمة صارمة، لا تعرف الرحمة، ولا تقدر الإنسان ولا تسمح له حتى بأخذ شهيقٍ عميقٍ من إكسير الحياة، التي لا بد أنها أكبر نعمة تمنح لنا نحن بني البشر. ونحن نقول: الدنيا حلوة. والدنيا قصيرة وعلينا أن نحياها بالشكل الذي نرتئيه جيدًا ومناسبًا لأنفسنا. وليس من الصائب أن نقبل القمع والإضطهاد والعبودية، بأي شكلٍ من الأشكال.

لهذا أنا أقول أن فلسطين هي القضية العربية المركزية، لأنها كما يعتقد أنها هي المدخل لتحرر الوطن العربي برمته. وأن إسرائيل حجر عثرة ضخم يقف في طريق الحلم العربي ويحول دون تحقيق وحدته الشرعية، لما يوجد من وحدة شرعية وتكاد تكون طبيعية وعضوية، بين أبناء الوطن العربي، من بحره وحتى محيطة. فالهوية العربية والإسلامية والتاريخ المشترك واللغة العربية والدين الإسلامي هي بعض المقومات الأساسية لتلك الوحدة. أما الهوية العربية والإسلامية، فهما هويتان مندمجتين مع بعضهما البعض برأيي، وذلك لأن أصول وقواعد اللغة العربية ترجع للقرآن الكريم، الذي حفظ لهجة أو لغة قريش، قبيلة النبي محمد. وهنا نرى كيف اختلطت السياسة بالدِّين، فقريش التي جاء منها النبي محمد، هي من أشراف مكة، بل وسادة الكعبة. مما يعني توفر الحماية السياسية أو الحصانة لنبي الإسلام، كونه شريفًا وسيدًا، ما أتاح له نشر دعوته وتحدي تراثه برمته، رغم كل العذاب والرفض والإغراء الذي تعرض له. فالنبي محمد كان يجلس في موقف القوة، وزوجته خديجة، كانت أيضًا ذات بأسٍ وقوة وهي من بشرته بالنبوة حين جاء إليها من غار حراء مرتجفًا ومرددًا لها: 'دثريني، دثريني...'

بإمكاننا القول أن اللغة التي نتحدث بها، ونعبر بها عن ما يجري في وجداننا من تفكيرٍ وتساؤلٍ وشعورٍ، والتي نستنتج بها، قد جاءت من القرآن الكريم، وهو النص المقدس عند المسلمين وهو آخر الكتب التي أرسلها الله للخلق أجمعين. وهي لغة أهل الجنة. فهل هذا يجعلها لغة مقدسة؟ وهل هذا بالتالي يعني أن الرابطة بين الناطقي بالعربية هي رابطة مقدسة؟ ستجمع بين أبناء اللغة في الجنة؟ كما يفترض في الحياة؟ إن من يتحدث اللغة العربية لا بد يعشقها وسيعجبه دفئها وتدفقها وسعة خيالها. إن من يتحدث العربية، يفتخر بإتقانها. فهي ثاني أصعب لغة بعد الصينية. إن من يتحدث العربية لا بد له أن يحيي شعرها القديم، الجاهلي وغير الجاهلي. ومن يؤمن باللغة العربية، لا بد يؤمن بالأقلام الشابة وبحرية لا حدود لها. أن من ينطق بالعربية يحلم بعالمٍ بلا قمع، بلا استبداد وبلا سجون رأي ومعتقد. في النهاية، اللغة العربية هي من أقوى العوامل المشتركة بين العرب أنفسهم ومع الوحدة. حتى غير المسلمين، فهم مسلمون ثقافيًّا، بسبب عامل اللغة والثقافة، ويعتزون بعروبتهم، التي لا تعني بالضرورة الإسلام. ويفتخرون بلسانهم العربي أيضًا. هنا اللغة العربية، تجمع المسلم وغير المسلم، لكن ماذا عن العرقيات الأخرى، التي تتغنى بأبجدياتٍ غير العربية؟

هذا يقودنا للأقليات الأخرى كالأكراد وغيرهم، وهؤلاء بدأت تظهر معالم طموحاتهم على الواقع بعد سقوط كلاً من العراق وسوريا. فالأكراد، الذين يجمعهم مع العرب، الديانة الإسلامية، قد يكونوا مثل القوميين العرب، الذين يعتبرون رابطة العرق أقوى من رابطة الدين. ولا ننسى أن هناك أقليات دينية أخرى عند الأكراد. فهل يهدد الحلم الكردي الحلم العربي؟ إن قيام الدولة الكردية مبني على اقتطاع أجزاء من سوريا والعراق وإيران وتركيا. وحيث أن العراق وسوريا هما الأضعف والأكثر عرضة للتجزئة، فإن هذا التمزيق للوطن العربي يعني احتمال تغيير الخريطة المستقبلية في الشرق الأوسط. هذا إذا لم تقف القوى العربية بقوة في وجه هكذا استراتيجية. أما الأمازيغ، فمثلهم مثل الأكراد، يحاول بعضهم إحياء دياناتهم القديمة وتراثهم المدفون قبل الإسلام والتمسك بهويتهم القومية ولغتهم ولهجاتهم المحلية.
هناك إحساس عام عند الأقليات المسلمة المرتبطة بالعرب يتعلق بالشعور بالخذلان والأحباط تجاه العرب بسبب إساءتهم للأمة وللإسلام ولعدم الوقوف إلى جانبهم ومحاولة حل مشاكلهم داخل البيت العربي والإسلامي بل حتى بإقصائهم ومصادرة حقوقهم. والأقليات تصور نفسها على أنها الوحيدة ضحية القمع وتنسى الشعب كله، الذي يواجه أكبر ظلمٍ وقمع.

عودةً إلى القضية الفلسطينية، هل نقول أنها تاهت في مسارات التبدل؟ نستطيع القول إن الشعوب لا زالت تدعو لفلسطين ولأبنائها. ومن يحمل راية فلسطين هم أبناؤها، فإن نسي العالم، ذكروه. أما العالم العربي، فلا تكترثوا له كثيرًا. فهو لا يريد أن يقاطع إسرائيل ولا أمريكا. وهو ملطخ بالعار. لا يمكن الوثوق به. وهذا يعني أنه يقف ضد نفسه، يناصر الغرب ولا يناصر قضاياه، التي تخصه قي الصميم. لقد تم تغييب القضية الفلسطينية لسنواتٍ طويلة الآن، فيما تم تعزيز الموقف الإسرائيلي وإضعاف الموقف العربي، بل حتى إنهاكه. كيف نضمن أن خلاصنا من الديكتاتوريات هو الطريق إلى الحرية الحقيقية الحقة وليس وهمها؟ إن العالم العربي تجمعه مقومات هوية واحده، فهو عايش تاريخًا واحدًا ويتكلم لغة واحدة ولديه مرجعية دينية وتاريخية واحدة، بالإضافة إلى العرقية أو رابطة الأخوة التي تجمعه مع أخوانه.

لدى العالم العربي مقومات الوحدة ولو نظريًا. الخلاف يمكن أن يحل مع الآخر سواءً كان أقلية عرقية أم كان 'عدوًّا'. كيف نقدر على إسرائيل؟ يكون ذلك عبر الوحدة واتخاذ موقف موحد والتخلص من التبعية للغرب. وهذا قد يبدو صعبًا.
إسرائيل، بلا شك هي عقبة كبيرة تقف في طريق تحرير فلسطين وتحرير الوطن العربي بالكامل. وحال العالم العربي الآن هو، 'أكلت يوم أكل الثور الأبيض'. لهذا علينا أن نرجع للباب الأول، الذي دخلنا منه إلى متاهة التشتت العربي، الذي خذل فلسطين، ثم العراق والآن سوريا وهل نعلم من سيكون غدًا؟ كل هذا يحدث لنا، ولا نستطيع أن نأخذ أي موقف سياسي. هل نعرف حتى على ماذا نفاوض؟ كيف سنتغلب على الإستعمار وهذا حالنا؟ لا يوجد حتى توعية كافية بما يحدث وبما سيحدث ولكن علينا أن نكون متواجدين ساعة الحسم، ليكون لنا صوتٌ عالٍ. يجب أن يكون لنا إرادة وقرار مستقلين في مصائرنا. ويجب أن نقف فخورين بأنفسنا ونحن لا نقبل بأقل من المساواة والصداقة الحقيقيتين.

نيسان ـ نشر في 2017-12-28 الساعة 18:38


رأي: سندس القيسي كاتبة وصحافية مقيمة في لندن

الكلمات الأكثر بحثاً