اتصل بنا
 

یومیات نصراوي: أجمل عرض ماركسي في المدینة

نيسان ـ نشر في 2018-02-03 الساعة 15:17

نيسان ـ

نبيل عودة

لیس صدفة ان فشل الأحزاب الشیوعیة، ھو فشل للمراجعات الحزبیة التي لم تكن

أصلا، وإذا جرت كانت فوقیة بصیاغات ھلامیة، لم تتناول أي موضوع جاد في

تطور الفكر والتغیرات في الواقع الاجتماعي والاقتصادي الدولي. أي ما كان ھو

أشبھ بنوم طویل كنوم أھل الكھف .. ومدیح الظل والتمسك بفكر مضى وقت تسویقھ

دون فھم التحولات المتراكمة والحاسمة التي جعلتھم غرباء عن واقعھم السیاسي،

الاجتماعي والفكري.

كان التعلق الأعمى وعدیم المنطق بماركسیة لینین وستالین، التي لا شيء یربطھا

بفكر كارل ماركس ورؤیتھ الفلسفیة ھو الممیز للحركة الشیوعیة، وكل من حاول

طرح رؤیة تطویریة اعتبر تحریفیا وعزل من الحزب... أما البارز والمؤلم فكان

ان أوساطا شیوعیة قیادیة كثیرة تعاملت مع فكر ماركس بكونھ كتابا مقدسا ..

والمھزلة ان ھذا الأمر یتواصل الیوم أیضا .. ویتواصل التمسك بنھج وصیاغات

وأسالیب تنظیم واعلام، لم تتغیر منذ قرنا كاملا على الأقل .. والمضحك انھ یجري

ترویج نفس الخطاب السیاسي والفكري، للجمھور دون فھم ان جمھور الیوم أضحى

جمھورا مثقفا، علمیا، یعیش نبض حضارة قلبت كل واقعھ الاجتماعي والعلمي

والصناعي، وھو لیس نفس جمھور القرن التاسع عشر او العشرین. وأن عالم الیوم

أضحى أشبھ بقریة صغیرة یعیش نبضھا عبر ثورة الدیغتال (الألكترونیة)، وان

قفزة في وعیھ وامتلاكھ للمعلومات الدقیقة حول عالمھ. الثورة المعلوماتیة لم تبق شیئا غامضا من عالمنا القدیم .. والأھم ان الانسان حقق

لي تجربة طویلة في النشاط الشیوعي .. تثقفت بأھم مدرسة حزبیة شیوعیة في

موسكو آنذاك (معھد العلوم الاجتماعیة). قدمت خمسة عقود من النشاط بلا توقف. لم

أكن مجرد عضو، بل ساھمت بمراكز قیادیة، في الشبیبة الشیوعیة والحزب

الشیوعي، والصحافة الحزبیة. كنت من المساھمین النشیطین في تأسیس الجبھة

الدیموقراطیة في الناصرة، تحت اشراف وتنظیم وقیادة المرحوم الرفیق غسان

حبیب، التي أنجزت أكبر انتصار بتاریخ الجماھیر العربیة في إسرائیل، ثم نقلت

التجربة الى تأسیس جبھة قطریة لانتخابات الكنیست.

عشت تفكك الجبھة في الناصرة وانفضاض قیاداتھا والتخلص من شخصیات

ساھمت بتأسیسھا لتتحول الى مجرد تنظیم حزبي ضیق، صمد ولكن تفككھ وھزیمتھ

كان مجرد وقت فقط، وھو ما حصل بھزیمة الجبھة مقابل قائمة انتخابیة لفرد واحد

(علي سلام) في انتخابات بلدیة الناصرة الأخیرة.

ثم كنت شاھدا للانقلاب المدمر للحزب ضد المفكر والشاعر والإعلامي الكبیر

الرفیق سالم جبران .. والتخلص من الرفیق غسان حبیب، مخطط ومؤسس الجبھة

في الناصرة ومنظم مخیمات العمل التطوعي التي تحولت الى اعراس سیاسیة ساھم

بھا عشرات الاف الشباب من المناطق الفلسطینیة المحتلة أیضا الى جانب متطوعین

أجانب .. وآلمني جدا أسلوب التخلص المذل من الرفیق امیل حبیبي وھو أكبر من

كتابة قصائد ھجائیة ضده من رفاق ساھم برفع اسھمھم السیاسیة)... ان أسجل دوره السیاسي والثقافي ومكانتھ في أوساط الجماھیر العربیة ( ھذا عدا

ھذه التصرفات تذكرني بأنظمة القمع العربیة .. وتبع ذلك استقالات من أوساط

جماھیریة وحزبیة واسعة جدا، ابرزھا انسحاب مئات الأكادیمیین والتجار

والحرفیین وأعضاء حزب من جبھة الناصرة وتشكیلھم لقائمة مستقلة (القائمة

التقدمیة) لانتخابات البلدیة ثم انتخابات الكنیست .. وبرز تضعضع وضع الجبھة

والحزب الشیوعي بھبوط التأیید من ثلثي الناخبین بأول معركة انتخابیة، الى نصف

الناخبین تقریبا بل وأقل من النصف، وامتناع نسبة كبیرة من التصویت .. وأیضا

تراجع كبیر وخسارة مقعد على الأقل، في تأیید قائمة الجبھة للكنیست.

منذ جیل مبكر دفعني والدي لصفوف الشبیبة الشیوعیة، لم یخطئ، ولا أنكر ان

شخصیتي وفكري وقدراتي العقلیة ووعي وفھمي لواقع الحیاة تطورت في ھذا

الإطار. اعتقد جازما ان الشباب ھم أكثر الأوساط اندفاعا للانضمام للحركات

الشیوعیة لسبب بسیط، ولكنھ عظیم، انھم یحلمون بالتغییر، یحلمون بمجتمع أكثر

عدالة ومساواة وحریة، لكن مع تقدم العمر واتساع المعرفة وتعمق الوعي تبدأ

المراجعات الفكریة الذاتیة .. ویبدأ التساؤل المقلق: این الخطأ؟ لماذا لا شيء

یتحرك؟ أین النقاوة الثوریة من القیادات الجدیدة؟ لماذا یتفكك التنظیم وتفصل قیادات

مركزیة؟ لماذا توقف التثقیف؟ لماذا ھذا التألیھ لقیادات جدیدة لم تتمیز عن القیادات

البطلة السابقة؟

طبعا لا اكتب الآن مداخلة فكریة، انما مقدمة استعید بھا حدثا مضحكا كنت شاھدا لھ

ومساھما في الحوار .. ولحسن حظي إني سجلت أكثریة الحوار على مسجل كان

معي، والیوم حین اكرر سماع الحدیث أغرق بضحك وكأني اشاھد مسرحیة

كومیدیة.

تبین حتى قبل انھیار الاتحاد السوفییتي، ان فكرة الاشتراكیة كانت بعیدة تماما عن

الواقع. كما ان الكثیر من المقولات التي آمنا بھا شبابا، لم یتبق منھا الا بعض

النشارة.

عایشت قیادات تاریخیة ما زلت احترم دورھا التثقیفي والتضحیات الكبیرة التي

قدمتھا واعترف ان اخلاصھا لقضایا شعبھا لا توجد علیھ أي شائبة. لكني في العقود

الأخیرة أقف امام قوى قیادیة جدیدة یمكن وصفھا بالصبیانیة، إنتھازیتھا أصبحت

ھي المبدأ الأعلى، تخلت عن الروح الرفاقیة، ولم تتردد حین كان بعضھا بمركز

قوة (مثلا في السلطات المحلیة) ان تتصرف بنفس أسلوب الفساد الذي یخجل تاریخ

حزبھم النضالي .. ولكنھ لا یخجل القیادات الفاسدة غیر الشیوعیة في السلطات

المحلیة، وقادة بارزون جعلوا من مراكزھم أداة تطھیر ضد كل من یجرؤ على

اعتراض قراراتھم ونقدھا، قادت الى تسریع تدمیر الحزب الشیوعي .. بالتخلص

من أبرز مثقفیھ ونشطائھ وقیاداتھ وتقریب الفاسدین من حولھم. فقط ألأعمى تماما لا

یرى ما آلت الیھ حال الحزب الشیوعي في إسرائیل كنموذج، ومختلف أحزاب

الحركة الشیوعیة عامة في العقود الثلاثة الأخیرة.

لي مراجعات حول تجربتي في الحركة الشیوعیة، نشرت بعضھا وسأنشرھا مركزة

في وقتھ .. افتخر بمرحلة حیاتي الشیوعیة لأني كرست كل جھودي وقواي للنضال

من اجل شعبي. في الوقت الذي نھج البعض على انجاز مكاسب شخصیة ونھجت

القیادات الجدیدة لضمان سیطرتھا على التنظیم والتخلص من كل منافس او رافض

لنھج السیطرة المطلقة.

لكن ھناك احداث ما زالت تثیر ضحكي من مستوى الغباء الذي بات ممیزا لبعض

القیادات الجدیدة .. باستعمالھم لمصطلحات لا یفقھون انھا لم تعد تعني الا صیاغة

لغویة رنانة وفارغة وفاشلة. وأجزم انھم لو سئلوا عن تفسیر المصطلحات التي

یثرثرون بھا، لما نبسوا ببنت شفة .. او لفسروا الماء بالماء!!

في ندوة حول الحیاة الحزبیة والسیاسیة في إسرائیل، تحدث عددا من الباحثین

ووجھوا نقدا لكل النھج الحزبي السائد في الوسط العربي، الذي قاد الى انفضاض

الجماھیر عن النشاط السیاسي، بكلمات أوضح، فشلت الأحزاب بتجنید جماھیر

واسعة للمشاركة بالمناسبات الوطنیة، وكان ھذا تعبیرا عن أزمة القیادات السیاسیة

العربیة وضعف أحزابھا وتضعضع اعلامھا. كانت ازمة ثقة قاتلة من الجمھور

وأزمة فكر للأحزاب .. وفقدان الأسماء البارزة التي جرى التخلص المھین منھا

بأسالیب معادیة لدستور الحزب نفسھ، وبصمت ما تبقى من قیادات قدیمة عاجزة

سنا وفكرا وتنظیما.

تحدث زعیم شیوعي، لا ارید عرض الاسم لأنھ لا أھمیة للأسماء ھنا. فكلھم في

الھوى سوا. حین جاء دوره للحدیث، وكان آخر المتحدثین، قال بصوت مجلجل

مشددا على نھایة الكلمات، وكأنھ یقصد ان حزبھ لا تشملھ الأزمة التي طرحھا

الباحثین الأكادیمیین:

- نحن حزب شیوعي، حزب نضال ثوري. ماركسي لینیني، نؤمن بالصراع

الطبقي وانتصار الطبقة العاملة العالمیة على النظام الرأسمالي. نحن نؤمن

ان التاریخ في المسار الصحیح. رغم ما حدث في الاتحاد السوفییتي،

ماوتسي تونغ. نعتبرھا كبوة حصان، من اجل قفزة كبرى الى الأمام .. كما قال الرفیق

وواصل كلماتھ الناریة، متجاھلا الموضوع الأصلي الذي جرى الحدیث حولھ، عن

الحیاة السیاسیة والحزبیة في إسرائیل وظاھرة أزمة القیادات السیاسیة في الوسط

العربي، وعاد یكرر:

- نحن حزب الطبقة العالمة الثوریة، حزب الفقراء والمعدمین، حزب

العادل. مجتمع الاشتراكیة الثوریة الماركسیة اللینینیة. البرولیتاریا الثوریة، نناضل من اجل انتصار الطبقة العاملة وبناء المجتمع

شعرت برغبة بالضحك، ولكني تمالكت نفسي، وسمعت ھمسات تنتقد وتسخر مما

یسمعون، كان حضورا نوعیا من مثقفین واكادیمیین في القاعة لم تعد تنطلي علیھم

ھذه الصیاغات الغبیة المملة، لم تعد ھذه الصیاغات العتیقة المتخلفة تثیر أي إحساس

إیجابي، لكن الزعیم الموقر واصل التغرید:

- ان فلسفتنا ھي فلسفة علمیة وسائر الفلسفات برجوازیة وضیعة تھدف الى

تضلیل الطبقة العاملة وحرفھا عن النضال الثوري وتشویھ فلسفتنا العظیمة.

قاطعھ أحد الحضور بشيء من العصبیة البارزة:

- أیھا الرفیق الثوري الماركسي اللینیني الستالیني الماوتسي تونغي، ھل تعتقد

ان ماركس كان خاتم الفلاسفة كما كان النبي محمد خاتم الأنبیاء؟ وھل لك ان

تشرح لنا بعض الأفكار الوضیعة في الفلسفات البرجوازیة التي تقصدھا؟

رد الزعیم:

- الماركسیة ھي الفلسفة العلمیة الوحیدة التي فسرت جوھر النظام الرأسمالي

وطورت نظریة التاریخ بشرح علمي یثبت ان الطبقة العاملة ستنتصر على

البرجوازیة الوضیعة وتحقق مجتمع العدالة الاشتراكي والشیوعي...

- انت تكرر ما سمعناه .. ھل لدیك شيء جدید؟

- یبدو ان المقاطع عمیل للأوساط الرأسمالیة الاستغلالیة.

تفاجأت من رده الوقح. لم أستطع صبرا قلت:

- یا رفیقي العزیز .. حتمیتك التاریخیة تنبأت بانتصار الطبقة العاملة .. وفي

الواقع سقط نظام الطبقة العاملة، او الأصح نظام لینین وستالین الذین

تعتبرھم مواصلي طریق ماركس؟ أجاب مقاطعا بدون تردد:

- الفلسفة الماركسیة العلمیة تثبت ان ما جرى كان تراجعا من اجل انطلاقة الى

الأمام، انطلاقة ثوریة تطیح بالنظام الرأسمالي العالمي. قاطعتھ شاعرا بأني

اضیع وقتي الثمین بسماع تخریفات نظریة:

- تتحدث مثل رجل دین متمسك بنصوص خرافیة لا تتغیر ولا تتبدل .. ما

تقولھ فات موعد تسویقھ، أصبح بضاعة فاسدة، لا أحد ینكر عبقریة ماركس،

لكن ماركس نفسھ تبرأ من الماركسیین أمثالك عنما أخبروه انھ قام حزب

ماركسي في فرنسا، فأجاب انا بالتأكید ماركس لكني لست طائفة ماركسیة.

- انت انحرفت ونحن لا ننحرف..

عاد یثرثر ویكرر نفس مقولاتھ. قاطعتھ:

- اعتقد إني ارتكبت حماقة بالبقاء والاستماع لماركسیتك الغریبة. لدیك أربعة

جمل تكررھا بإصرار مثل ببغاء .. ربما لا تفقھ معناھا .. ولا أرى ان

الحوار معك سیقود الى شيء مفید .. الحدیث عن ازمة القیادات السیاسیة

العربیة، وانفضاض الجماھیر عن المشاركات النضالیة .. وانت تتحدث عن

حزبك دون التطرق للموضوع الذي تحدث عنھ سائر المتحدثین، اعتذر

وانسحب.

كثر اللغو في القاعة والتعلیقات والأسئلة المربكة للزعیم، سمعت وانا اخطو نحو

الخارج عریف الندوة یقول، كما یبدو لإنقاذ الزعیم من السخریة التي بدأت تتضح

بمختلف التعابیر التي بدأت تطغى على جو القاعة:

- الوقت انتھى أعزائي الحضور .. ناسف انھ لم یعد مجال للأسئلة، اشكر

'الزعیم' (طبعا باسمھ الشخصي) ونلتقي في برامج أخرى ..

نيسان ـ نشر في 2018-02-03 الساعة 15:17


رأي: نبيل عودة كاتب

الكلمات الأكثر بحثاً