اتصل بنا
 

الغابة التي لا يُستجاب فيها الدعاء (52): الرأس الذي دخل القفص بسهولة

نيسان ـ نشر في 2026-01-04 الساعة 13:16

نيسان ـ ...
في تلك الغابة التي اعتادت أن تُدار بالضجيج لا بالحكمة، استفاقت الحيوانات ذات فجرٍ على خبرٍ بدا أكبر من الأشجار:
قالوا إن الإمبراطور جاء ليلًا، ومدّ يده، وانتزع رأس أحد ملوك الغابة، ثم مضى به كما يُؤخذ طائرٌ من قفصٍ مفتوح.
الغريب لم يكن أن الإمبراطور فعل ذلك، فهذه الغابة تعرف شهيته القديمة،
الغريب أن الرأس خرج بلا مقاومة،
بلا صراخ،
بلا دم
وبلا حتى خدشٍ في مخلب الغزاة.
لم تُصَب دبابة،
لم تسقط طائرة،
لم يُسمَع عواء ذئب
ولم يُذكر أن أحدًا حاول الدفاع عن العرش.
قالت الحيوانات لبعضها:
كيف يحدث هذا بهذه السهولة؟
أين الحرس؟
أين الأسوار؟
أين الخطب التي كانت تهزّ السماء كل مساء؟
لكن الغابة، حين تفكّر قليلًا، تذكّرت.
تذكّرت أن الملوك في هذه الغابة كانوا يرون العالم من الشرفة فقط
ويقيسون الولاء بعدد الأعلام
وبحجم الصور
وبقوّة الأغاني التي يكتبها الموظفون.
كان الملك يظن أن الغابة كلّها تهتف باسمه،
لأنه لم يسمع الأصوات التي لا تهتف.
لم يرَ الحيوانات التي أغلقت أبوابها
ولا التي تعلّمت الصمت
ولا التي اكتشفت أن الكراهية الصامتة أكثر عددًا من التصفيق المصوَّر.
وفي زحمة الاحتفالات المصنوعة،
تسلّلت عيون الإمبراطور إلى مخادع الغابة،
دخلت من الأبواب الخلفية،
ومن أفواه المعارضات “المنقذة”،
ومن قلوبٍ باعت غضبها مقابل وعدٍ غامض.
وحين جاءت الساعة،
لم يحتج الإمبراطور إلى حرب
ولا إلى حصار طويل
ولا إلى مطاردة عبر الجبال.
كل ما احتاجه كان لحظة غفلة…
وغابةً صدّقت صورتها أكثر مما صدّقت حقيقتها.
بعد أن خرج الرأس،
تقدّم الذيل بهدوء
وقال: استمرّوا…
النظام باقٍ
والقواعد محفوظة
والطاعة أولًا
والدعاء لاحقًا.
وهنا فهمت الحيوانات درسًا قديمًا كانت تتجاهله:
أن الإمبراطور لا يخطف الرؤوس إلا حين تكون الغابة جاهزة للتخلّي عنها
وأن المعارضات التي تطرق أبواب القصور الخارجية ليست دائمًا طريقًا للخلاص،
بل قد تكون مفاتيح جاهزة للأقفاص.
ثم خرج الإمبراطور ليخطب في الغابة، بلا خجل، بلا قناع،
قال لهم:
هذه الغابة سأديرها،
ثمارها لي
وأنهارها سأضمن توزيعها
ومن يعترض فالقفص واسع.
لم يتحدّث عن عدل
ولا عن قانون
ولا عن سيادة الغابة.
فالسيادة في قاموسه سلعة
والغابات شركات
والدموع تفاصيل لا تدخل في الحسابات.
في أطراف الغابة،
كانت غابات أخرى تراقب،
تعرف أن من يرفع رأسه كثيرًا
ومن يربط مصيره بصرخة
ومن يظن أن العداء للإمبراطور ورقة بلا ثمن،
قد يجد نفسه ذات فجرٍ يُسحب من سريره…
إذا لم يكن محميًا إلا بالهتاف.
وفي آخر الليل،
رفعت الحيوانات دعاءها المعتاد.
دعاء طويل،
مؤثر،
مكرّر.
لكن الدعاء لم يُستجب.
لا لأن السماء قاسية،
بل لأن الغابة لم تكسر الأقفاص التي في داخلها
ولا اقتلعت العيون التي دلّت عليها
ولا تخلّت عن وهم الزعيم الذي يحميها من نفسها.
خرج الرأس
وبقي النظام
وبقي الإمبراطور يضحك،
وبقيت الغابة…
كما كانت.

نيسان ـ نشر في 2026-01-04 الساعة 13:16


رأي: د. وليد العريض

الكلمات الأكثر بحثاً