اتصل بنا
 

الزهراوي.. طبيب علّم أوروبا الجراحة قبل ألف عام

نيسان ـ نشر في 2026-02-19 الساعة 13:23

الزهراوي.. طبيب علم أوروبا الجراحة قبل
نيسان ـ ساهم علماء المسلمين في بناء الحضارة الإنسانية في شتى مجالاتها، ويرجع إليهم الفضل وضع اللبنات الأولى وتأسيس كثير من فروع المعرفة.
فأبو القاسم الزهراوي (توفي 404هـ/1013م) يعد أحد أعظم رواد الطب عبر العصور حيث أسس الجراحة كعلم مستقل، معتمداً على التشريح والممارسة العملية، فحولها من فرع تابع للطب إلى صنعة دقيقة تعتمد على الخبرة اليدوية والتجربة، ما جعله مرجعاً عالمياً في تاريخ الطب والجراحة.
وُلد الزهراوي في الأندلس واختار دراسة الطب بعد أن هزّته وفاة جارته أثناء الولادة، في قرطبة حاضرة العلم، تعلّم ودرس التشريح، وابتكر أكثر من 200 أداة جراحية، وأدخل ربط الشرايين قبل البتر، ووسّع مجالات جراحات التوليد، وطب الأسنان، والجراحة التجميلية.
دوّن خبرته في موسوعته الكبرى «التصريف لمن عجز عن التأليف»، التي تُرجمت إلى اللاتينية وظلت مرجع أوروبا الطبي لأكثر من خمسة قرون، وعُرفت طرقه باسم "الزهراوية في الجراحة.
خصّ الجزء الأخير من موسوعته بالعمل الجراحي باليد، مثل الكي والشق والجبر والخلع، مقدماً منهجاً عملياً علمياً مبتكراً يدمج النظر بالتطبيق، ويعد المرجع الأول للجراحة في الحضارة الإسلامية والأوروبية.
ابتكر الزهراوي مفهوم "الصنعة" للطبيب والجراح، مؤكداً أن اليد الدقيقة هي أمانة العلم، فالعمل باليد لا يخدع، والأخطاء تظهر سريعاً، ما يعزز الدقة العملية ويؤسس لطريقة علمية متقدمة قائمة على الملاحظة والتجربة.
أثنى الزهراوي على أطباء اليونان والمسلمين السابقين، مثل الرازي وجالينوس، واستفاد من كتبهم، لكنه لم يكتفِ بالاقتباس، بل طور المعرفة بالتجربة العملية، مؤكداً أن التقليد دون فحص علمي أو تجربة لا قيمة له.
أكد الزهراوي أن نجاح الطبيب مرتبط بالممارسة الدائمة، والتجربة العملية لكل حالة، فالاستنتاج العلمي يتحقق عبر مراقبة المرضى، وتكرار الحالات، وموازنة النتائج بين الشاهد والغائب، مع مراعاة الظروف الفردية لكل مريض.
شدد الزهراوي على أن المعرفة الدقيقة بالتشريح ووظائف الأعضاء أساسية للجراحة، فالتمكن من وصف العظام والأعصاب والعضلات والأعضاء الداخلية شرط أساسي للنجاح في العمليات الجراحية وتجنب الأخطاء القاتلة.
كان الزهراوي جراحاً إكلينيكياً بارعاً، يولي اهتماماً كبيراً بالظروف الفردية للمرضى، ويحلل الأعراض بدقة، ويراعي العوامل الوراثية والبيئية، ويختار الأسلوب الأمثل للعلاج لكل حالة على حدة، مع متابعة دقيقة أثناء وبعد العملية.
وصف الزهراوي عمليات معقدة مثل جرد الأسنان وقلع الأضراس ومعالجة الفك المكسور، مع استخدام خيوط الذهب أو الفضة لتثبيت الأسنان، ما يعكس دقة مهارته وابتكاره في أدوات وأساليب لم يعرفها الأطباء من قبله.
أعطى الزهراوي اهتماماً خاصاً بجراحات النساء والولادة، وذكر حالات نادرة ومتنوعة للحصوات والأورام، مع توجيهات دقيقة للتعامل مع كل حالة، مؤكداً أهمية الخبرة والمعرفة العلمية في نجاح العمليات المعقدة.
ابتكر الزهراوي أكثر من 200 آلة جراحية، مفصلة في موسوعته، لكل عملية نوع محدد من الأدوات، مع تعليمات دقيقة لاستخدامها، ما أحدث ثورة في الجراحة وأسس لمفهوم تطويع الأدوات حسب الحالة المرضية.
كان الزهراوي نموذجاً للالتزام الأخلاقي، مؤكداً على مسؤولية الطبيب تجاه المرضى، وتحري الأمانة والدقة، ومراعاة السلامة، مع فصل واضح بين النشاط العلمي والتطبيق العملي والاعتبارات الدينية، وتجنب الأخطاء والمخاطر الممكنة.
أثر الزهراوي في تطور الجراحة والطب في أوروبا منذ القرن الثاني عشر، حيث ترجمت مؤلفاته وأثرت على أطباء كـالغافقي وابن ميمون وابن البيطار، وأسهمت في تطوير أساليب التعقيم والفحص والجراحة، ما جعله أحد أعظم رواد الطب عبر العصور.

نيسان ـ نشر في 2026-02-19 الساعة 13:23

الكلمات الأكثر بحثاً