اتصل بنا
 

بين سطور كلام الرفاعي

وزير أردني سابق، باحث ومتخصص في الفكر الإسلامي والإصلاح السياسي والتحول الديمقراطي في العالم العربي. من كتبه "السلفيون والربيع العربي"و" الإصلاح السياسي في الفكر الإسلامي"و "الحل الإسلامي في الأردن" و"الإسلاميون والدين والثورة في سورية".

نيسان ـ نشر في 2026-04-01 الساعة 10:13

نيسان ـ تحمل المحاضرة المهمة التي قدّمها سمير الرفاعي، رئيس الوزراء الأسبق، أول أمس، في معهد السياسة والمجتمع رسائل مهمة على الصعيد الوطني الأردني، إذ أنّه تجاوز كثيراً فكرة التعريف بالموقف الرسمي واللغة الدفاعية التي غالباً ما تضرّ أكثر مما تنفع في صناعة الرأي العام الوطني وحتى العربي، فقد انتقل الرفاعي إلى مستوى أعمق في التحليل من بناء إطار فهم أردني للحرب الراهنة من زاوية ولمواقف الدول والمصالح الاستراتيجية المرتبطة بها وما أطلق عليه مصطلح «الأوهام الإقليمية» التي تتغذى على الدعاية السياسية أكثر مما تعكس حقائق على أرض الواقع، ليصل إلى الخلاصات والنتائج المتعلقة بالتموضع الأردني وأسبابه من زاوية، والمطلوب وطنياً في المرحلة القادمة الخطير والانتقالية من زاوية ثانية.
المحاضرة المهمة متوافرة على الموقع الالكتروني لمعهد السياسة والمجتمع، يمكن الاطلاع عليها كاملة هناك، إنّما ما يريد كاتب هذه السطور الإشارة إليه في هذا المقال هنا بعض القضايا المهمة وأبرزها أهمية بناء تصورات وطنية أردنية للإجابة على الأسئلة المهمة الملحة المصيرية على الصعيد الإقليمي والأمن القومي الأردني؛ ما هي التهديدات الرئيسية للأمن القومي الأردني في المرحلة الحالية وفي ضوء تصوراتنا لسيناريوهات للمرحلة القادمة؟ وكيف نعيد تعريف المصالح الاستراتيجية في ضوء هذه التحولات والتغييرات الكبيرة؟ وما هي الأولويات السياسية والاقتصادية الوطنية.
مثل هذه الأسئلة تشكل مفتاحاً رئيسياً للتعامل مع الأوضاع الحالية والمرحلة القادمة، وبدون وجود مقاربات دقيقة تؤطر وتطوّر من قبل النخبة ومؤسسات الدولة المختلفة فإنّ أي حديث أو نقاش في الأمن القومي أو الشعارات الوطنية سيكون بمثابة فزعات عاطفية ولغة خشبية لا تصلح اليوم لفهم السياسات الوطنية وتطوير إدراك أردني لما تمر به المنطقة من زلازل سياسية خطيرة تطيح بدول وتهدم الاستقرار السياسي في دول أخرى!
صحيح أنّ الأردن طوّر خبرة سياسية كبيرة في التعامل مع التحديات ومصادر التهديد والمنعرجات التاريخية، وأثبت قدرته على إدارة المخاطر السياسية، لكن الخطورة أن تتجاوز تلك الفكرة مبدأ الثقة بالنفس إلى التهاون والاستخفاف بالتحديات والتهديدات، فكل مرحلة لها شروطها وسياقاتها والاستراتيجيات والسياسات التي خدمت الأردن في مراحل معينة للعبور ربما لا تكون مناسبة أو صالحة للمرحلة الحالية وما يتبعها في المستقبل القادم.
أراد الرفاعي، أيضاً، أن يشتبك مع المناظرة السياسية الداخلية التي نراها على مواقع التواصل الاجتماعي، والتي تذهب بعيداً في إطلاق مواقف وأحكام من دون قراءة دقيقة وعميقة لما يحدث واقعياً، بخاصة فيما يتعلّق بالموقف الأردني والتموضع بين طرفي الحرب الراهنة؛ إيران من جهة والولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل من جهةٍ ثانية، وتقوم قراءته على ردّ المناظرة إلى المسار الصحيح؛ فإيران، كما قال، ليست جمعية خيرية وما تقوم به من أجل فلسطين يدخل في سياق المصالح والاستراتيجيات والحسابات القومية، وفي الوقت نفسه رفض القول بالحرب المذهبية (ربما تستخدم الأوراق الطائفية والمذهبية والعرقية لمصلحة هذا الطرف أو ذاك)، وبالتالي لا بد من التمييز بين الدعاية والحقائق السياسية، وفي الوقت نفسه إسرائيل لا تقل خطورة عن إيران في المنطقة، بل هنالك اليوم سياسات إسرائيلية يمينية متطرفة ومشروع هيمنة خطيرة إقليمي، وبناءً على هذه القراءة من الضروري أن نبني تصورنا للسياسات الوطنية للمرحلة القادمة.
يقودنا ذلك إلى ملاحظة مهمة وخطيرة في كلام الرفاعي وهي التحذير من هشاشة الحالة الداخلية للعديد من الدول العربية وتفجير الصراعات المجتمعية والسياسية، التي قد تبدأ محلية لكنها تنتقل لتتحول إلى إقليمية وتجر المنطقة إلى دوامة خطيرة وحروب استنزاف داخلية قد تعيد صياغة ليس فقط قواعد اللعبة الإقليمية بل الجغرافيا السياسية بأسرها.
ما هو المسكوت عنه في خطاب الرفاعي؟ هو أين نحن – أردنياً- من المشروعات والمصالح والاستراتيجيات الدولية والإقليمية ولعلّ السؤال الذي من الضرروي أن نطرحه (بخاصة بعد حديث ترامب الخطير في ميامي)؛ إيران – على الأغلب الأعم- بعد الحرب الحالية لن تكون طرفاً إقليمياً فاعلاً، حتى لو بقي النظام الحالي فسيكون مشغولاً بترتيب الأوضاع الداخلية؛ وعلى الجهة المقابلة أوضح ترامب بصورة جلية أنّه يريد تكريس مفهوم «الاتفاقيات الإبراهيمية» لتكون بمثابة النظام الإقليمي الجديد، وسيضغط بقوة لفرض التطبيع على المنطقة وإدماج حكومة اليمين الإسرائيلي في المنطقة، بدون تقديم حل سلمي على الطاولة للقضية الفلسطينية وهو أمر سينعكس بصورة كبيرة وسلبية على الأمن القومي الأردني؛ فما هي تصوراتنا لمثل هذا السيناريو؟ وما هي خياراتنا؟ وماذا نحن فاعلون؟!

نيسان ـ نشر في 2026-04-01 الساعة 10:13


رأي: د. محمد أبو رمان وزير أردني سابق، باحث ومتخصص في الفكر الإسلامي والإصلاح السياسي والتحول الديمقراطي في العالم العربي. من كتبه "السلفيون والربيع العربي"و" الإصلاح السياسي في الفكر الإسلامي"و "الحل الإسلامي في الأردن" و"الإسلاميون والدين والثورة في سورية".

الكلمات الأكثر بحثاً