اتصل بنا
 

مأزق هرمز

نيسان ـ نشر في 2026-04-16 الساعة 14:17

نيسان ـ كلما ظننت أنني خرجت، يعيدونني إلى الداخل- من فيلم العراب.
يُمعن الرئيس دونالد ترامب في التورّط بالملف الإيراني، فيندفع إلى محاولة محاصرة المضيق ردّاً على إغلاق إيران الانتقائي له، مستعيناً بمدمّراته وسفنه الحربية المصمّمة للقتال في المياه الضحلة. غير أنّ التفوّق العسكري الأمريكي الساحق لا يجعل السيطرة على المضيق أمراً يسيراً كما قد يُتصوَّر؛ إذ تواجه الولايات المتحدة مجموعةً من التحديات المعقّدة التي تُقوّض هذا المسعى.
تتمثّل أولى هذه التحديات في العقيدة البحرية الإيرانية، التي تنأى عن أنماط المواجهة التقليدية بين الأساطيل، وتتجه نحو الحرب غير المتكافئة؛ فبدلاً من الاعتماد على الفرقاطات أو الغواصات باهظة الكلفة، توظّف طهران وسائل منخفضة التكلفة وعالية التأثير، مثل الزوارق المسيّرة التي تعمل ضمن أسراب لإرباك الدفاعات، والألغام البحرية الذكية القادرة على البقاء خاملة لفترات طويلة قبل تفعيلها، إلى جانب قدرتها على إعادة زرع الألغام بسرعة، فضلاً عن ترسانتها الصاروخية وطائراتها المسيّرة.
تتبنّى إيران استراتيجية الاستنزاف، فتُجبر خصمها على إنفاق موارد ضخمة لمواجهة تهديدات محدودة الكلفة؛ إذ تصل كلفة صاروخ الاعتراض الواحد إلى ملايين الدولارات، في حين لا تتجاوز كلفة الوسائل الهجومية الإيرانية عشرات الآلاف، وهو اختلال صارخ تجلّى منذ الأيام الأولى للمواجهة، حين أنفقت الولايات المتحدة مليارات الدولارات للتصدّي لهجمات زهيدة، في معادلة لا يمكن أن تستمر طويلاً.
أما التحدي الثاني، فيكمن في الجغرافيا التي تنحاز بوضوح إلى إيران بوصفها صاحبة الأرض؛ إذ توفّر جبال زاغروس غطاءً طبيعياً حصيناً يُخفي منصّات الصواريخ والرادارات، فيما تعزّز شبكة الأنفاق ومنظومات الاتصال المحصّنة ترابط الدفاعات الجوية، بما يقلّل من تأثير التشويش ويمنحها مرونة وفاعلية أكبر. ويزيد ضيق المضيق من خطورة الوضع على السفن الأمريكية، إذ يضعها ضمن مدى التهديد المباشر، في وقتٍ عزّزت فيه إيران انتشارها بمنصّات صواريخ ساحلية متحرّكة قادرة على تغيير مواقعها خلال ساعات، الأمر الذي يُربك أي محاولة لتوجيه ضربات استباقية ويُفقدها دقّتها وفاعليتها.
ويبرز البعد الاقتصادي بوصفه ساحة مواجهة موازية لا تقلّ أهمية؛ إذ لا تلجأ إيران إلى إغلاق كامل للمضيق، بل تدير حصاراً انتقائياً محسوباً، يستهدف السفن المعادية، ويفرض رسوم عبور على السفن المحايدة، ويُبقي المجال مفتوحاً أمام السفن الصديقة. وقد تصل هذه الرسوم إلى نحو مليون دولار، في مفارقة لافتة، حيث إن تشديد الحصار الأمريكي لا يفضي بالضرورة إلى خنق إيران، بقدر ما يُعمّق الاضطراب في الاقتصاد العالمي ويزيد من حدة أزماته.
ولا يقف الأمر عند هذا الحد، إذ تمتلك إيران القدرة على توسيع نطاق الصراع إقليمياً عبر حلفائها؛ فقد يُقدم الحوثيون على إغلاق باب المندب، بما يؤدي إلى تعطيل قناة السويس ورفع تكاليف الشحن وإرباك حركة التجارة العالمية ، إلى جانب احتمالية تصاعد المواجهة بين حزب الله والكيان، وهو ما يفتح جبهات متعددة تُثقل كاهل أي استراتيجية عسكرية مباشرة.
في ضوء ذلك، لم يعد التفوّق العسكري وحده كافياً لفتح المضيق أو فرض حصار على الموانئ الإيرانية؛ فهذه الحرب، كما كشفت مساراتها، غير متكافئة في جوهرها، تقوم على الاستنزاف والإيلام الاقتصادي، وقد نجحت إيران في توظيف هذا النهج بفعالية. ومن هنا، يبرز خيار الحصار الاقتصادي بوصفه أداة ضغط تهدف إلى تقليص آثار هذا النجاح، واستعادة جزء من الهيبة التي تآكلت في مياه الخليج العربي، فضلاً عن كونه ورقة استراتيجية لدفع إيران نحو طاولة المفاوضات بشروط أقرب إلى الرؤية الأمريكية.

نيسان ـ نشر في 2026-04-16 الساعة 14:17


رأي: اسماعيل الشريف

الكلمات الأكثر بحثاً