اتصل بنا
 

'ما بعد عملية الشارون'؛ الدلالات والمؤشرات

وزير أردني سابق، باحث ومتخصص في الفكر الإسلامي والإصلاح السياسي والتحول الديمقراطي في العالم العربي. من كتبه "السلفيون والربيع العربي"و" الإصلاح السياسي في الفكر الإسلامي"و "الحل الإسلامي في الأردن" و"الإسلاميون والدين والثورة في سورية".

نيسان ـ نشر في 2026-06-08 الساعة 10:33

نيسان ـ ما تزال الصورة الكاملة لعملية إطلاق النار التي وقعت في منطقة الشارون غير مكتملة، لكنّ بعض المعطيات التي بدأت تتكشف تجعل من الصعب النظر إليها بوصفها مجرد حادث أمني عابر، فبحسب المعلومات المتداولة في الإعلام الإسرائيلي، فإنّ المنفذين ينتمون إلى مدينة الطيبة داخل أراضي عام 1948، وهو ما يضيف بعداً مختلفاً إلى الحدث، يتجاوز عدد الضحايا أو طبيعة العملية نفسها، ويفتح الباب أمام تساؤلات أعمق تتعلق بمستقبل المشهد الفلسطيني الإسرائيلي برمته.
من المبكر الوصول إلى استنتاجات نهائية أو بناء سيناريوهات حاسمة على حدث ما تزال تفاصيله قيد التحقق. فمن الممكن أن تكون العملية عملاً معزولاً ينتهي أثره عند حدوده الأمنية المباشرة، كما حدث في حالات سابقة. لكن من الممكن أيضاً أن تكون مؤشراً أولياً على تحولات أكثر عمقاً، وعلى حالة احتقان متراكمة بدأت تجد تعبيراتها في ساحات مختلفة ومتداخلة في الوقت نفسه.
تكمن أهمية هذا الاحتمال في أنّ إسرائيل بنت جزءاً كبيراً من استراتيجيتها خلال العقدين الماضيين على إدارة الساحات الفلسطينية بصورة منفصلة؛ غزة ملف مستقل، والضفة الغربية ملف آخر، والقدس ساحة ثالثة، فيما جرى التعامل مع فلسطينيي الداخل باعتبارهم فضاءً مختلفاً تحكمه «المواطنة الإسرائيلية» والاعتبارات المدنية والاقتصادية. صحيح أنّ أحداث أيار/مايو 2021 هزّت هذه الفرضية، لكن المؤسسة الإسرائيلية عادت بعد ذلك إلى الرهان على إمكانية احتواء تلك التداعيات وإعادة ترميم الفصل بين هذه الساحات.
دفعت التطورات التي أعقبت السابع من أكتوبر نحو الاتجاه المعاكس تماماً، فالحرب على غزة تحولت إلى حرب طويلة ومفتوحة. والضفة الغربية تعيش حالة غير مسبوقة من الاقتحامات العسكرية والتوسع الاستيطاني والاشتباكات اليومية، أما القدس فتواجه ضغوطاً متزايدة مرتبطة بالمسجد الأقصى وبمحاولات تغيير الوضع القائم فيه، وإذا أضيف إلى ذلك احتمال عودة التوتر إلى داخل أراضي 1948، فإنّ الحديث لم يعد عن أزمات منفصلة، بل عن فضاء فلسطيني واحد يتفاعل مع نفسه رغم الحدود السياسية والأمنية التي فُرضت عليه خلال العقود الماضية.
هذا وذاك يدفع نحو سؤال أكثر أهمية بل وجودية على الصعيد الفلسطيني؛ فمن الواضح أنّ حالة الانتظار أو الرهان على الوقت، فلسطينياً، لم توقف السياسات الإسرائيلية الجارية في الضفة الغربية والقدس، كما أنّ التوسع الاستيطاني والحديث المتزايد داخل الحكومة الإسرائيلية عن الضم وتغيير الوقائع على الأرض يدفعان قطاعات واسعة من الفلسطينيين إلى الشعور بأنّ كلفة الصمت أصبحت مرتفعة للغاية، مع انسداد كامل في آفاق التسوية السلمية، وانهيار أي أمل بإقامة الدولة الفلسطينية عبر هذا الطريق. لكنّ المشكلة تكمن في أنّ أي انتقال إلى المواجهة يمنح الحكومة الإسرائيلية والتيارات اليمينية الدينية هناك فرصة لإعادة صياغة المشهد بأكمله تحت عنوان الأمن والحرب على الإرهاب، وربما تنفيذ ما يمكن أن نطلق عليه سيناريو «البجعة السوداء»، أي التهجير الجماعي للفلسطينيين، والمضي قدماً نحو سياسات أكثر خطورة وتهديداً للأمن اليومي للفلسطينيين.
على الطرف المقابل فإنّ الخطر الحقيقي على نتنياهو لا يتمثل في العملية نفسها، بل في ما قد تعكسه من تحولات أعمق. فإذا كانت السنوات الماضية قد شهدت نجاحاً نسبياً للاستراتيجية الإسرائيلية القائمة على تفكيك القضية الفلسطينية إلى ملفات وساحات منفصلة، والرهان على الأمن والقوة والصمت الفلسطيني، فإنّ الخطر الذي يلوح في الأفق اليوم يتمثل في عودة سيناريو الانفجار في الـ 48 أو الـ67 مما يعني – على الجهة المقابلة- أن كل ما يقال عن قدرة إسرائيل على ضبط الأمن خارج سياق السلطة وأوسلو والتسوية السلمية بمثابة مجازفة خطيرة، ومن زاوية ثانية عودة هذه الساحات (في الأراضي الفلسطينية) إلى التفاعل مجدداً ضمن معادلة واحدة. وعندها لن يكون السؤال متعلقاً بغزة وحدها أو بالضفة الغربية وحدها أو بالقدس وحدها، بل بعودة القضية الفلسطينية إلى طبيعتها الأصلية باعتبارها قضية شعب واحد يعيش أوضاعاً سياسية وقانونية مختلفة لكنه يتفاعل مع الأحداث الكبرى بوصفها قضية مشتركة.
عملية الشارون، إذن، بالرغم من أنّها تبدو محدودة أو معزولة، وبالرغم من أنّنا ما زلنا في الساعات الأولى لما بعد العملية، فإنّ دلالاتها عديدة حول مفترق الطرق الراهن الفلسطيني.

نيسان ـ نشر في 2026-06-08 الساعة 10:33


رأي: د. محمد أبو رمان وزير أردني سابق، باحث ومتخصص في الفكر الإسلامي والإصلاح السياسي والتحول الديمقراطي في العالم العربي. من كتبه "السلفيون والربيع العربي"و" الإصلاح السياسي في الفكر الإسلامي"و "الحل الإسلامي في الأردن" و"الإسلاميون والدين والثورة في سورية".

الكلمات الأكثر بحثاً