اتصل بنا
 

نابلس تحت الحصار.. الحواجز تعزل المدينة والمرضى يدفعون الثمن

نيسان ـ نشر في 2026-07-29 الساعة 15:02

نابلس تحت الحصار.. الحواجز تعزل المدينة
نيسان ـ لم يعد الوصول إلى مدينة نابلس أو مغادرتها مهمةً اعتيادية، بل تحول إلى رحلة شاقة قد تستغرق ساعات طويلة بسبب الحواجز العسكرية والإغلاقات التي فرضها الاحتلال الإسرائيلي على مداخل المدينة وبلداتها.
وبينما تتواصل الاقتحامات والاعتقالات في المحافظة، يجد المواطنون أنفسهم أمام واقع يومي يزداد قسوة، حيث باتت الحركة مرهونة بإجراءات عسكرية انعكست على مختلف مناحي الحياة، من العلاج والتعليم والعمل إلى الحركة التجارية.
مدينة محاصرة من كل الجهات
منذ تصاعد الأحداث الأخيرة في شمال الضفة الغربية، شدد الاحتلال إجراءاته العسكرية في نابلس، فأغلق مداخل رئيسية وفرعية، ونصب حواجز ثابتة ومتنقلة، وأغلق طرقًا بالسواتر الترابية والبوابات الحديدية، ما أدى إلى عزل المدينة عن محيطها وإرباك حركة التنقل بين القرى والمحافظات.
ويقول المواطن رائد منصور، من بلدة بيتا: “أصبح الوصول إلى نابلس يستغرق أحيانًا أكثر من ثلاث ساعات. نخرج من بيوتنا دون أن نعرف متى سنصل أو إن كنا سنتمكن من العودة في اليوم نفسه”.
رحلة العلاج تتحول إلى معاناة
القطاع الصحي كان من أكثر القطاعات تأثرًا بالحصار، إذ تعاني سيارات الإسعاف من التأخير على الحواجز، فيما يواجه المرضى، خاصة أصحاب الأمراض المزمنة والحالات الطارئة، صعوبات كبيرة في الوصول إلى المستشفيات.
ويقول الدكتور سامر عبد الله، وهو طبيب يعمل في أحد مستشفيات المدينة، إن التأخير على الحواجز يؤثر بشكل مباشر في إنقاذ المرضى، مضيفًا: “هناك حالات قلب وجلطة وإصابات تحتاج إلى دقائق، لكن الانتظار الطويل قد يحولها إلى حالات خطرة، وهذا ما يثير قلق الطواقم الطبية بشكل دائم”.
أما أم محمد، التي ترافق زوجها المريض بالفشل الكلوي إلى جلسات غسيل الكلى، فتقول: “أصعب ما نواجهه ليس المرض، بل الطريق. نخشى أن نتأخر عن موعد العلاج بسبب إغلاق حاجز أو أزمة سير تسببها إجراءات الاحتلال”.
الاقتصاد يدفع فاتورة الإغلاق
الحصار ترك أثرًا واضحًا على الحركة الاقتصادية في نابلس، حيث تراجعت الحركة التجارية وانخفض عدد المتسوقين، في وقت يواجه فيه التجار صعوبات في نقل البضائع وإدخالها إلى المدينة.
ويؤكد التاجر فادي المصري أن الأسواق لم تعد كما كانت، موضحًا: “المواطن القادم من القرى يفكر أكثر من مرة قبل أن يأتي إلى نابلس، بسبب الحواجز وتكاليف الطريق، وهذا انعكس مباشرة على المبيعات”.
الطلبة بين التأخير والغياب
ولم تسلم المؤسسات التعليمية من تداعيات الحصار، إذ يضطر آلاف الطلبة إلى مغادرة منازلهم قبل ساعات من بدء الدوام، بينما يتغيب آخرون عن محاضراتهم أو امتحاناتهم بسبب الإغلاقات المفاجئة.
وتقول الطالبة الجامعية لين أبو بكر: “أحيانًا أصل إلى الجامعة بعد انتهاء المحاضرة الأولى، وأحيانًا أعود إلى المنزل دون أن أتمكن من الوصول أصلًا”.
سياسة تضييق متواصلة
ويرى مختصون أن ما تشهده نابلس لا يقتصر على إجراءات أمنية، بل يأتي ضمن سياسة تضييق أوسع تستهدف مدن وبلدات شمال الضفة الغربية، من خلال تكثيف الحواجز والاقتحامات والاعتقالات، بما ينعكس على الحياة الاقتصادية والاجتماعية والإنسانية.
يؤكد مدير الإسعاف والطوارئ في جمعية الهلال الأحمر بمحافظة نابلس، أحمد جبريل، أن المشكلة لا تقتصر على التأخير فقط، بل تشمل أيضًا منع الوصول إلى بعض الحالات المرضية.
ويقول جبريل، في تصريح صحفي، إن الحواجز والبوابات الحديدية المنتشرة على مداخل القرى والمدينة تشكل خطرًا مباشرًا على المرضى والطواقم الطبية، موضحًا أن فرق الإسعاف تواجه صعوبات متزايدة في الوصول إلى الحالات الطارئة أو نقلها إلى المستشفيات.
ويشير إلى عدم وجود إحصائية رسمية حتى الآن حول عدد الحالات التي تأثرت بالإغلاق، نتيجة اضطرار المواطنين إلى سلوك طرق بديلة وعرة أو بسبب تعدد الحواجز المغلقة، إلا أن الطواقم وثقت العديد من الحالات التي تعرضت للتأخير أو المنع.
ومن بين هذه الحالات، يلفت جبريل إلى واقعة ولادة سُجلت على حاجز بيت فوريك، بعد احتجاز سيدة حامل لنحو ثلاث ساعات قبل السماح لها بعبور الحاجز سيرًا على الأقدام، إضافةً إلى حالات مرضى غسيل الكلى الذين تأخروا لساعات على حاجزي عورتا ودير شرف.
ويضيف أن بعض مرضى الكلى اضطروا إلى مغادرة مركباتهم والسير على الأقدام بعد ساعات طويلة من الانتظار من أجل الوصول إلى العلاج.
وفي الظروف الطبيعية، يقول جبريل إن خدمات الإسعاف حول العالم تعتمد على معايير دقيقة لزمن الاستجابة للحالات الطارئة، إذ يمكن للدقائق الأولى أن تحدد مصير المريض. لكن في محافظة نابلس، كما يقول، أصبح الحديث عن زمن استجابة محدد أمرًا شبه مستحيل.
ويضيف: “لدينا بروتوكولات واضحة للإسعاف والطوارئ، لكن واقع الحواجز وتقطيع أوصال المدن والقرى ألغى عمليًا مفهوم زمن الاستجابة في فلسطين”.
وفي ظل استمرار هذه الإجراءات، يعيش مئات آلاف الفلسطينيين في محافظة نابلس واقعًا يوميًا عنوانه الانتظار والمعاناة، بينما تتحول أبسط الحقوق، كالعلاج أو التعليم أو الوصول إلى مكان العمل، إلى تحدٍ يفرضه الحصار، وسط مخاوف من أن يؤدي استمرار هذا الواقع إلى مزيد من التدهور في الأوضاع الإنسانية والاقتصادية.

نيسان ـ نشر في 2026-07-29 الساعة 15:02

الكلمات الأكثر بحثاً