اتصل بنا
 

المسلمون مسيّرون ومخيرون في آن

كاتبة وصحافية مقيمة في لندن

نيسان ـ نشر في 2018-02-04 الساعة 19:34

نيسان ـ

المسلمون مسيّرون ومخيرون في آن

فلنبدأ بالواعظة أم أحمد، التي تشبه كثيرًا من الواعظات، بصرف النظر عن جماعتها. هذه المرأة الأرملة البدينة، التي لم تنهي تعليمها الإبتدائي، امتهنت الوعظ ولحقت بشيوخ الطريقة، لكي تشرح للنساء الأجهل منها تعاليم الدين الإسلامي بسذاجة وتخلفٍ بالغين. فهي طالما انتقدت غير المحجبات أو السافرات، وحاولت جاهدًا أن تؤثر على حياة الناس سلبًا، بحسب فهمها المحدود للدين. وكانت قمة الدين عندها تزويج البنت وعمل أفراح دينية، لكي تؤجر فرقتها، التي تدق على الدفوف، بحجة أن الموسيقى حرام. ولم تتردد في تحريم كل شيء على أبناء وبنات العالم، بحيث أصبح كلامها يكاد يكون منزلاً على أتباعها المسحورين بها.

وهي في أثناء ذلك، تهرب من فقرها المدقع. وتتنتزه من بيت إلى بيت، مدعوة على أفخم الولائم، التي تشتهيها ولا تطالها إلا في بيوت الأغنياء، المتعطشين للروحانيات. فكانت أم أحمد تعطي درسًا دينيًّا منحرفًا، ومنسجمًا وطريقتها، التي تحلل الإجتماع، (وعلى الأغلب الجماع) مع شيوخها بدون حاجز في البيوت المغلقة، لكنها تحرم الإختلاط في العلن لمتبعيها، وكم من متبعة لها رغبت في تطليق نفسها من أجل خوض تجربة الزواج المبارك مع الشيخ الفضيل، شيخ الطريقة والنكاح الديني غير البريء، الذي يقتضي تطليق النساء من أزواجهن. وأم أحمد رغبت في الزواج من شيخها أيضًا، لكن أولادها وقفوا في طريقها. وهذا يُبين لنا الدوافع الحقيقية وراء وعظها.

وأم أحمد هذه كانت ولا زالت تلبس الخمار. وقد أصبح أحد أبنائها غنيًا جدًا، وانتقلوا من بيتهم القديم الرث، إلى فيلا رائعة، وأصبحوا يلعبون بالفلوس لعبًا. وهذه المرأة، التي جعلت من السافرات والمتحررات، أعداءً لها لم تؤثر على إبنها، الذي يسبح في المسابح المختلطة، في أرقى الفنادق، ويصادق مئات النساء ولم تفرض على حفيداتها حفلات الزواج الإسلامية والدينية، والتي فرضتها على عشرات الفتيات، رغمًا عنهن من خلال تحريض أمهاتهن عليهن. ولهذا السبب، أنا مقتنعة بأن هناك علامات استفهام كثيرة لا أقول حول الإسلام في الوقت الحالي وإنما حول معظم الشيوخ والواعظين. وها هي أم أحمد، قد توقفت عن الوعظ بعد أن أصبحت غنية. ولم ترد لأحد عزيمته في بيتها الفخم.

سبحانك ربي، شيوخ بلحى طويلة ومسابح في اليد وصلاة كل وقت بوقته في المسجد، ورائحة كريهة، كثير منهم كاذبون ومنافقون ونصابون وسارقون. منهم من يلم التبرعات ليبني مسجدًا، لكنهم يبنون فللاً ليعيشوا فيها. منهم من يريد أن يحظى بالنساء، فها هُن مثنى وثلاث ورباع وزد على ذلك ما ملكت أيمانهم والغريب أن النساء يهربن من عبودية الزوج أو الرجل في حياتهن ليقعن ضحايا لعبودية الشيخ ومنهم -أي الوعاظ- من يريد أن يكسب وضعًا اجتماعيًا ويحسن من وضعه بالدعوة، التي تتيح له السفر والسهر والطَّيِّبَات، حتى لو كان ذلك على حساب عائلته، التي يتركها وراءه، للتمتع بحوريات وبجناتِ الدنيا في 'البلاد الكافرة' ، على اعتبار أنه يضحي تضحيات لذيذة، وفي غاية المتعة، من أجل الدعوة. ومنهم من يريد أن يغنى ويبتكر الأساليب الملائمة لذلك. والمجتمع يكاد يعتبرهم أولياء وأوفياء. هناك فجوة أخلاقية عميقة لكثيرٍ من الواعظين، الذين يتيحون لأنفسهم ما لا يتيحونه لغيرهم. فهم نصبوا أنفسهم مُلُوكًا جددًا ووضعوا لنا قوانين جديدة، تتناسب وأهواءهم وتفسيراتهم، فأصبحنا سجناء رؤيتهم الضيقة.

وحين يقول شخص عادي أنه لا يؤمن بالدِّين، أي دين ولا يقتنع به وأنه يريد أن يرى ويلمس الدليل القاطع وليس تخميناتٍ وتأويلاتٍ، فإن المجتمع يسرع إلى إدانته ولصق وصف كافر أو ملحد به، عوضًا عن أن يقول إن هذا الإنسان صادق، وعنده حرية الخيار و 'لا تهدي من أحببت، إن الله يهدي من يشاء'. إنه نفس المجتمع الذي يؤمن بتجار الدين ويدافع عنهم، رغم خطاياهم الكثيرة، وكأنهم منزلين من عند الله.

وكيف يؤمن أي شخص عقلاني، وهو يرى الكذب والنفاق والقسوة، من قبل المتدينين، رياء الناس؟ علينا أن نتذكر دائمًا وأبدًا أن الدين المعاملة. وأن إيمان الشخص الحقيقي لا يقاس بعبادته لله فقط، التي قد يحسبها الله أو قد لا يحسبها في ميزان حسناته. وهنا ليس من عالمٍ بهذا إلا الله وحده. فلا يحق لأحد أن يزاود. ما نستطيع أن نحكم عليه هو سلوك الواعظ وانسجامه مع نفسه ومعتقداته ومبادئه. إن مهمة الواعظين أو الواعظات الحقيقية تكون بجعل الناس تؤمن بالله وتقتنع. فهل هم مؤهلين حقًّا لهذه المهمة المعقدة والصعبة؟ أم أن جل ما يفعلونه يكون بتأليب المؤمنين على غير المؤمنين.

علينا أن نفهم انه في دين الإسلام، البشر مسيّرون وليسوا مخيّرين. فهم مسيرون لأنهم يولدون في ملة الإسلام، التي بحسب قول البعض لا يستطيعون أن يخرجوا منها إلا بجز أعناقهم كالغنم والبعير. أو مسيرون بأمر الله بما يحتمل ذلك القول من تأويلٍ ديني. رغم أن القرآن يحث الناس على التفكر والتمعن واستخدام العقل. ويقر بدون إشاعة الخوف أن 'من شاء فليؤمن، ومن شاء، فليكفر'. لكن في الواقع، لا يجوز أن يخرج نطاق العقل عن دين الإسلام. ولهذا من الصعب أن نعرف من هو المتدين الحقيقي، ومن هو الإمعة، الذي يسير مع السرب، طالما أنه لا يوجد أمامه أي خيار آخر. فالتدين في مجتمعات الإناث، حسبما زرعته تقاليد الواعظات، مثل الإنفلونزا سريعة التأثير والإنتشار. والنساء والفتيات الشاطرات هُن من يتبارين ليحفظن آيات القرآن ويحفظن جدول العبادات من الفرائض والنوافل طمعًا في دخول الجنة. ولن تضطر الواعظات إلى إجابة أي سؤال فلسفي ووجودي قد يكون كامنًا عند قلة قليلة من النساء، التي تحاول جاهدة أن تطرد الشيطان من حياتها.

وبهذا التبسيط المغالي، يتم تعليم الدين على اعتبار أن العقل البشري شديد البساطة، وبما يهييء للمرأة بأن تتعلم الطاعة والإذعان، لمن كان رجلاً في حياتها. وطالما حفظت المرأة القرآن، فقد أمن الرجل شراستها واتخذها زوجة له وأمًا لأولاده، ولعل هذا أصعب قرار يأخذه الرجل العربي المسلم، الذي يترك البت فيه لأمه، لكي تختار عروسه وتفاوض أهل زوجته المقبلة على المهر. وفيما أن المقصود من المهر هو تقديم هدية رمزية للتقارب بين الطرفين، إلا أنه تحول لتجارة غير معلنة، فالعفاف والدين والجمال كله بثمنه، ومن شأن المهر أن يربط الرجل. فلا يتسرع في فسخ الخطوبة أو الطلاق. فهو كمن وقع في مصيدة لكن المهر لن يمنع الرجل عن الخيانة الزوجية ولا عن التفكير بالزواج من أخرى. كل هذا قد لا يهم عند المرأة المعنية بالصورة الإجتماعية، لأنها في عرف الدين والمجتمع العنصر الأساس المسؤول عن العائلة ولهذا عليها أن تبقي على الصورة الجميلة التي يريد المجتمع أن يراها فيها دائمًا. وعليها أن تلوذ بالصبر حتى لو احتملت فوق طاقتها. وهنا تلجأ بعض النساء للحيلة والوسيلة، فيما تدور الغالبية في محور الدين.

التدين شعور وجداني، ينبع من داخل الأنسان ولا يمكن فرضه قسرًا وإرهابًا وبالقوة على البشر. وهذا ما يوصف بالإيمان عند المتدنيين، الذي له طعم الحلاوة التي تذاق ولم نسمع عن أحد أحس وشعر بحلاوة الإيمان من خلال التخويف والترهيب بل وحتى التعذيب وإنما بالترغيب والحب أو بالهداية من الله مباشرةً. فكيف يمكن لأي شخص أن يقترب ويتقرب من شيء مخيف؟ بل ومنفّر في كثيرٍ من الأحيان. هذا شيء يسير ضد الطبيعة البشرية. صحيحٌ أن الخوف يتحكم في عواطفنا، إلا أن العقل هو من سيتصدى لهذا الخوف. والعقل وجد للتحليل وربط الأشياء بعضها ببعض من أجل الوصول إلى نتائج منطقية. مع أن العقل كعضوٍ حيوي في جسم الإنسان ما زال شيئًا مهولاً وغامضًا وضخمًا وهو الجزء الأعقد، على الإطلاق، في أجسادنا، وما زلنا لم نكتشف إمكاناته الكامنة بعد. وكثيرًا ما جاءت آيات القرآن تدعونا للتفكر والتعقل، لكننا لم نتعلم منها كيف يكون ذلك بحق.

لماذا يجب على المرء أن يعيش في نفاق وازدواجية، لكي يقول الناس أن فلانًا متدينًا ويخاف الله. إن النظرة للإنسان اللاديني في المقابل هي نظرة ظالمة، باعتباره لا يستحي ويفعل ما يشاء، بالرغم من أنه قد يحمل منظومة إنسانية وضمير حي في داخله، ولا يتباهى بالمظاهر ولا يهمه رأي الناس، بل يعيش منسجمًا مع نفسه وقناعاته. ثم أن لا إكراه في الدين، ولا يدري المرء متى تأتي الهداية من الله أساسًا، والتي هي دائمًا مشروع مؤجل عند أي إنسانٍ غير مؤمن. وقد تأتيه مثلاً لا حصرًا في أي وقتٍ في حياته إلى حين مواجهته سكرات الموت. نعم، قد يؤمن غير المؤمن في آخر لحظات حياته، لا يوجد ما يمنع هذا وكذلك لا أحد يعلم إن كان الله سيتقبل توبته (المتأخرة) أم لا. والإسلام يرفض المنافقين أصلاً. فما الهدف من فرض إيمانٍ لا يقبله الله إلا عندما يكون خالصًا له، بمعنى أن يكون نابعًا من الأعماق وتنطق به الجوارح. برأيي، من المستحيل أن يفرض أي شخص إِيمَانًا بهذا العمق على أي شخصٍ آخر، مهما كان.

وأغلب تجار الدين من الواعظين الذين يصرخون ويعلون الصوت. وهم برأيي المتواضع لا يفقهون من الحياة شيئًا، فما بالك بالدِّين؟ لا أفهم لماذا العويل؟ فأول ما أفتح أي رابط قد يصلني وأسمع صراخ الشيوخ المدوي، أغلقه على السريع ولا أستطيع تدارك شعوري بالإشمئزاز والغثيان. وأنا لست وحيدة في هذا الشعور والذي لا أفهمه أكثر هو كيف يتأثر الناس بهكذا صوت يوبخهم ويؤنبهم ويقلل من قيمتهم ولا يحترم إنسانيتهم وذكائهم. لم تعد تمر علي شعارات رنانة طنانة عن سماحة الإسلام وجماله وحلاوته وشموليته، لأَنِّي حيثما استدرت، لمست سلوكيات ٍ من البشر في غاية السلبية والتناقض والجمود. ثم نسمع مرارًا وتكرارًا بأن هذا ليس الإسلام الحق وذاك ليس هو الإسلام الصحيح. إذًا أين هو الإسلام الحق والصحيح؟ أنا لا أسأل لكي تدلوني ولكني أسأل لأجيب (بعد رحلة بحثٍ طويلة وما زالت مستمرة) أنه موجود فقط في مخيلتنا، وعلى الأغلب، فهو لن يخرج منها إلى أرض الواقع.

نيسان ـ نشر في 2018-02-04 الساعة 19:34


رأي: سندس القيسي كاتبة وصحافية مقيمة في لندن

الكلمات الأكثر بحثاً